ابن حزم
818
الاحكام
وخالف مالك ابن عمر وابن عباس في قولهما : إن استطاعة الحج ليست إلا الزاد والراحلة . وخالفوا جابر بن عبد الله في نهيه عن بيع المصاحف ، ولا يعرف لابن عمر ولا لابن عباس ولا لجابر في هاتين المسألتين ، مخالف من الصحابة . وخالف مالك والشافعي أم سلمة وعثمان بن أبي العاص في قولهما : إن أقصى أمد النفاس أربعون يوما ولا يعرف لهما في ذلك مخالف من الصحابة . وخالف مالك ابن مسعود وأبا الدرداء والزبير وقدامة بن مظعون في إباحة نكاح المريض ، وجواز ميراثه للمرأة ، ولا يعلم لهم من الصحابة مخالف في ذلك . وخالفوا أبا بكر وعمر وخالد بن الوليد وسويد بن مقرن في إقادتهم من اللطمة ، ولا يعلم لهم في ذلك مخالف من الصحابة . قال أبو محمد : وقد أبطلنا في باب الاجماع قول من قال باتباع الأكثر ، وهذه فصول يوجب تكرارنا إياها أنها تقليد صحيح ، فتدخل في باب التقليد وادعوا هم أنها إجماع ، فوجب التنبيه عليها أيضا في باب الاجماع لذلك . وقد بينا هنالك ، وفي باب الاخبار من كتابنا هذا بطلان قول من قال : محال أن يغيب حكم النبي صلى الله عليه وسلم عن الأكثر ويعلمه الأقل ، وذكر حديث أبي هريرة : إن أخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق ، وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم القيام على أموالهم ، وكنت امرأ مسكينا ألزم رسول لله صلى الله عليه وسلم . وهذا الحديث وإن كان منقولا من طريق الآحاد ، فإن البرهان يضطر إلى تصديقه ، لأنه لا شك عند كل ذي عقل ومعرفة بالاخبار ، أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا في ضنك شديد من العيش . وكانوا مكدودين في تجارة يضربون لها آفاق بلاد العرب على خشونتها وقلة أموالها ، وفي نخل يعاونونه بالنص والكد الشديد ، فإذا وجد أحدهم فرجة حصر وسمع . فبطل قول من قال : إنه لا يجوز أن يغيب حكمه عليه السلام عن الأكثر ويعلمه الأقل . وصح ضد ذلك لما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق . وأيضا فنقول لمن قال باتباع الأكثر : إنه يلزمك أن تعدهم كلهم ، ثم تعرف من