ابن حزم
775
الاحكام
أو يكون لمعاذ وغيره ، فإن كان ذلك فكل من اجتهد رأيه فقد فعل ما أمر به ، وإذ الامر كذلك فإن كل من فعل ما أمر به فهم كلهم محقون ليس أحد منهم أولى بالصواب من آخر ، فصار الحق على هذا في المتضادات ، وهذا خلاف قولهم ، وخلاف المعقول ، بل هذا المحال الظاهر ، وليس حينئذ لاحد أن ينصر قوله بحجة ، لان مخالفه أيضا قد اجتهد رأيه ، وليس في الحديث الذي احتجوا به أكثر من اجتهاد الرأي ولا مزيد ، فلا يجوز لهم أن يزيدوا فيه ترجيحا لم يذكر في الحديث وأيضا فليس أحد أولى من أحد مع هذا ، فلكل واحد منا أن يجتهد برأيه ، فليس من اتبعوا أولى من غيره ، ومن المحال البين أن يكون ما ظنه الجهال في حديث معاذ - لو صح - من أن يكون صلى الله عليه وسلم يبيح لمعاذ أن يحلل برأيه ويحرم برأيه ، ويوجب الفرائض برأيه ويسقطها برأيه وهذا ما لا يظنه مسلم ، وليس في الشريعة شئ غير ما ذكرنا البتة . وقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقع فيه المشورة منه ، وفرق بينه وبين الدين ، كما حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي ، نا أبو بكر بن مفرج القاضي ، ثنا محمد بن أيوب الصموت الرقي ، نا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار ، نا عمرو بن علي ، نا عفان بن مسلم ، نا حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع أصواتا فقال : ما هذه الأصوات ؟ قالوا : النخل يؤبرونه ، فقال : لو لم يفعلوا لصلح فأمسكوا عنه فصار شيصا ، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : إذا كان شيئا من أمر دنياكم فشأنكم ، وإن كان شيئا من أمر دينكم فإلي . وبه إلى البزاز : نا هدبة بن خالد ، نا جهاد بن سلمة ، عن ثابت البناني ، عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوتا في النخل ، فقال : ما هذا ؟ قال : يؤبرون النخل قال : لو تركوها أصلحت ، فتركوها فصارت شيصا ، فأخبروه بذلك فقال : أنتم أعلم بما يصلحكم في دنياكم ، وأما آخرتكم فإلي . قال أبو محمد : فهذه عائشة وأنس لم يدعا في روايتها إشكالا ، وأخبرا أنه عليه السلام أعلمنا أننا أعلم بما يصلحنا في دنيانا منه ، ففي هذا كان يشاور أصحابه ،