ابن حزم
774
الاحكام
قال : فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيه ؟ قال : أقضي بما قضى به الصالحون . قال : فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيه ولا قضى به الصالحون ؟ قال : أؤم الحق جهدي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحمد لله الذي جعل رسول رسول الله يقضي بما يرضى به رسول الله فلم يذكر أجتهد رأيي أصلا ، وقوله : أؤم الحق هو طلبه للحق حتى يجده حيث لا توجد الشريعة إلا منه ، وهو القرآن وسنن النبي صلى الله عليه وسلم . على أننا قد حدثنا أحمد بن محمد الله الطلمنكي ، نا أحمد بن عون الله ، نا إبراهيم بن أحمد بن فراس ، نا أحمد بن محمد بن سالم النيسابوري قال : نا إسحاق بن راهويه قال : قال سفيان بن عيينة : اجتهاد الرأي هو مشاورة أهل العلم ، لا أن يقول برأيه . وأيضا فإنه مخالفون لما فيه ، تاركون له ، لان فيه أنه يقضي أولا بما في كتاب الله ، فإن لم يجد في كتاب الله فحينئذ يقضي بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم كلهم على خلاف هذا ، بل يتركون نص القرآن إما لسنة صحيحة ، وإما لرواية فاسدة ، كما تركوا مسح الرجلين ، وهو نص القرآن لرواية جاء بالغسل ، وكما تركوا الوصية للوالدين والأقربين لرواية جاءت : لا وصية لوارث وكما تركوا جلد المحصن ، وهو نص القرآن لظن كاذب في تركه ، ومثل هذا كثير ، فكيف يجوز لذي دين أن يحتج بشئ هو أول مخالف له ؟ . وبرهان وضع هذا الخبر وبطلانه هو أن من الباطل الممتنع أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإن لم تجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله وهو يسمع قول ربه تعالى : * ( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ) * وقوله تعالى : * ( اليوم أكملت لكم دينكم ) * وقوله تعالى : * ( ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ) * مع الثابت عنه صلى الله عليه وسلم من تحريم القول بالرأي في الدين من قوله صلى الله عليه وسلم : فاتخذ الناس رؤوسا جهالا فأفتوا بالرأي فضلوا وأضلوا ثم لو صح لكان معنى قوله : أجتهد رأيي إنما معناه أستنفذ جهدي حتى أرى الحق في القرآن والسنة ، ولا أزال أطلب ذلك أبدا . وأيضا فلو صح لكان لا يخلو من أحد وجهين : إما أن يكون ذلك لمعاذ وحده ، فيلزمهم ألا يتبعوا رأي أحد إلا رأي معاذ ، وهم لا يقولون بهذا .