ابن حزم

770

الاحكام

حدود الله فلا تعتدوها ) * . فصح يقينا أنه لم يجعل الله قط إلى الصحابة تحريما ولا تحليلا ، فقد صح أنه لم يأمره الله تعالى قط بمشورتهم في شئ من الدين ، لا سيما مع قوله تعالى : * ( فإذا عزمت فتوكل على الله ) * فصح أنه ليس في الآية التي شغبوا بها قبول رأيهم أصلا ، بل رد تعالى الامر إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فيما يعزم عليه مع التوكل على الله . وكيف يسع مسلما أن يخطر هذا الجنون بباله مع قول الله عز وجل : * ( واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الامر لعنتم ) * فكيف يجوز قبول رأي قوم لو أطاعهم لوقع العنت عليهم في أكثر الامر ، أم كيف يدخل في عقل ذي عقل أن النبي صلى الله عليه وسلم تجب عليه طاعة أصحابه هذا هو الكفر المحض والسخف البين ، بل طاعته هي الفرض عليهم التي لا يصح لهم إيمان إلا بها . قال الله تعالى : * ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) * . ثم إن وجوه الحمق في هذه المقالة جملة بادية ، ليت شعري كيف كان يكون الامر لو اختلفوا عليه في الشرع فإن قيل : لا يلزم إلا باتفاقهم ، خرجنا إلى الكلام في الاجماع ، وبطل الكلام في الرأي ، وقد كتبنا في دعوى الاجماع ما فيه كفاية ، ولله تعالى الحمد . وأيضا فلا فرق بين جواز شرع شريعة من إيجاب أو تحريم أو إباحة بالرأي لم ينص تعالى عليه ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ، وبين إبطال شريعة شرعها الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بالرأي ، والمفرق بين هذين العملين متحكم بالباطل مفتر ، وكلاهما كفر لا خفاء به . فصح يقينا أن الذي أمره الله تعالى بمشاورتهم فيه ، وغبطهم بأن يكون أمرهم فيه شورى بينهم ، إنما هو ما أبيح لهم التصرف فيه كيف شاؤوا فقط فتشاورهم من يولي على بني فلان ، وأي الطرق إلى من يغزو من القبائل أفضل وأسهل وآمن ، وأين يكون النزول فقط . وهذا كمشاورة المرء منا جاره إلى أي خياط أدفع ثوبي ، وأي لون ترى لي أن أصبغه ، ومثل هذا ولا مزيد ، وقد يكون عند الصحابة من المعرفة بالطرق المسلوكة والمياه ما ليس عنده عليه السلام .