ابن حزم

771

الاحكام

وأما ما لا يؤخذ من الدين إلا من الوحي فلا ولا كرامة لاحد بعده أن يكون لسواه حظ في ذلك معه ولا بعده ، وبالله تعالى التوفيق . فظهر فساد تمويههم بالآيتين . وأما المشاورة التي كانت قبل نزول الاذان فأعظم حجة عليهم ، أول ذلك أن الامر حينئذ كان مباحا كل ما قالوه ، ولم ينزل في شئ منه إيجاب ولا تحريم ، وهذا لا ننكر فيه المشاورة إلى اليوم . ثم إنه لم يأخذ صلى الله عليه وسلم في ذلك بشئ من آرائهم ، بل بما صوبه الوحي مما أريه في منامه عبد الله بن زيد ، ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاذان ما جاز الالتفات إلى رؤيا عبد الله بن زيد ، ولا إلى رؤيا غيره ، فصح أن آراءهم رضي الله عنهم لا يلزم قبولها ، فكيف آراء من بعدهم ؟ . وأما الخبر عن أبي هريرة : ما رأيت أحدا كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقب ذكرى الزهري لمشاورته صلى الله عليه وسلم أصحابه في القتال يوم الحديبية ، فهو نفس كلامنا هذا ، على أن كلا الخبرين مرسل ، لان الزهري لم يلق أبا هريرة قط ، ولا سمع منه كلمة ، ولم ينكر أن يشاورهم في مكايد الحروب وتعجيلها وتأخيرها . وأما الخبر الذي فيه : ما الحزم ؟ فقال : أن تستشير الرجل ذا الرأي ثم تمضي لما أمرك به فمرسل ، ثم هو بعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه قد يختلف عليك الرجلان ذوا الرأي فلأيهما تمضي ؟ حاش الله أن ينطق رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الباطل . وأما الخبر : ما شقي عبد بمشورة فمرسل ، ولا حجة في مرسل ، ونحن لا ننكر المشورة في غير الدين ، كما أننا ننكر بل نكفر من يشاور أيصلي الخمس أم لا ؟ أيصوم رمضان أم لا ؟ ونقطع أن مسلما لا يخالفنا في هذا . وأما حديث عمرو بن العاص فأعظم حجة عليهم ، لان فيه أن الحاكم المجتهد يخطئ ويصيب ، فإذ ذلك كذلك فحرام الحكم في الدين بالخطأ ، وما أحل الله تعالى قط إمضاء الخطأ ، فبطل تعلقهم به . وأما خبر علي فموضوع مكذوب ، ما كان قط من حديث علي ، ولا من حديث سعيد بن المسيب ، ولا من حديث يحيى بن سعيد ، ولا من حديث مالك ولم يروه قط أحد عن مالك إلا سليمان بن بزيع الإسكندراني وهو مجهول ولا يخلو ضرورة