ابن حزم
651
الاحكام
واحتجوا بقوله عليه السلام : إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر فأقضي له على نحو ما سمع فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار أو كما قال عليه السلام . قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، بل هو حجة عليهم ، لان النبي صلى الله عليه وسلم فعل ما أمر به من الحكم الظاهر من البينة أو اليمين ، وأخبر الناس أن ذلك لا يحل حراما ولا يحرم حلالا ، ولا يحيل شيئا عن وجهه ، فلو كان حكم أحد من الحكام حقا ، وإن كل ما خالفه حقا ، لكان ذلك حكم النبي صلى الله عليه وسلم ولكان هذا بيان واضح في أن الحق في واحد ، وأن ما خالفه خطأ ، وحكم النبي صلى الله عليه وسلم في الظاهر بأن المال لزيد هو غير وجوب كون ذلك المال ملكا على الحقيقة لزيد ، فهما شيئان متغايران . وإذا كانا كذلك فمن الممكن أن يكون أحدهما حقا والآخر باطلا ، فبطل احتجاجهم بذلك في قول الحق في وجهين مختلفين ، بل قد أخبر عليه السلام أن الحق حق ، وأن حكمه لا يحيله عن وجهه ، ولا يوجب إحلال المقضي به لغير صاحبه ، فإن قالوا مشاغبين : أحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظاهر الامر بما نهى عن أخذه في الباطن حكم بحق أو حكم بباطل ، فإن قلتم بباطل كفرتم ، وإن قلتم بحق فهو قولنا ، قلنا لهم وبالله تعالى التوفيق : لا يحل لمسلم أن يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم يحكم بباطل وهو يعلم أنه باطل ، ومن أجاز هذا أو ظن جوازه فهو كافر حلال الدم والمال . ولكن القول أنه صلى الله عليه وسلم ما حكم بشهادة الشهود واليمين إلا بحق مقطوع على أنه حق كما أمره الله عز وجل ، وأمر المحكوم له بخلاف ما هو في باطنه حق بألا يأخذه . ثم نقول : إنه قد صح يقينا أنه عليه السلام يحكم بما هو عنده حق فيوافق خلاف ما أمره الله تعالى به وهذا لا يسمى باطلا ، ومن سمى هذا باطلا فهو كافر ، وذلك نحو سلامه صلى الله عليه وسلم في الظهر أو العصر بالمدينة من ركعتين أو ثلاث ، وإعراضه عن الأعمى فنزل في ذلك من القرآن ما نزل ورسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قصد في كل ذلك ما هو حق عنده . ولم يكن ذلك عند الله تعالى كذلك ، فصح أن الحق في واحد ولا بد ، فمن خالفه ناسيا أو هو يرى أنه حق ، فليس آثما ، ولكنه مأجور أجرا واحدا ، ومن خالفه عامدا عالما فهو إما فاسق وإما كافر ، إن كان خلافا للاسلام ، وبالله تعالى التوفيق .