ابن حزم
652
الاحكام
ويسألون عن فقيهين ، رأى أحدهما إباحة دم إنسان ، ورأى الآخر تحريمه ، ورأى أحدهما تارك الصلاة كافرا ، ولم يره الآخر كافرا ، ورأى أحدهما الساحر كافرا ، ولم يره الآخر كافرا ، فإن أطلقوا أن كل ذلك حق عند الله عز وجل لحقوا بالمجانين ، وجعلوا إنسانا واحدا كافرا في جهنم مخلدا أبد الأبد ، مؤمنا في الجنة مخلدا أبد الأبد ، وهذا غاية الجنون ، وليس هذا الباب من نوع ما أمرنا بإعطائه وحرم على الآخذ أخذه ، فهذان حكمان على إنسانين مختلفين ، كسائل سأل وهو غني فأعطاه المسؤول ، فالمعطي محسن مأجور ، والآخذ فاسق عاص آكل سحتا ، وكذلك فادي الأسير ومعطي الرشوة في دفع مظلمة . وقد جاء النص بذلك في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المسألة . وقالوا أيضا : ما تقولون فيمن صلى أربعا وشك أصلى ثلاثا أم أربعا ، فأنتم تأمرونه بأن يصلي حتى يكون على يقين من أنه صلى أربعا ، فقد أمرتموه بركعة خامسة ، فأنتم قد أمرتموه بالخطأ . فالجواب وبالله تعالى التوفيق : إننا لم نأمره قط بأن يصلي خامسة ، وإنما أمرناه أن يصلي أربعا لا أكثر ، والخامسة التي زاد فيها هو فيها مخطئ بلا شك عند الله عز وجل . وما أمر بها قط وهو يدري أنها خامسة ، ولكن أمر بها يقينا إذا لم يدر أنها خامسة والاثم عنه مرفوع فيها ، ولسنا ننكر رفع المأثم ، وإنما ننكر رفع الخطأ في الباطن ، فلو لم يصل الخامسة وهو غير موقن بأنه صلى أربعا لكان مفسدا لصلاته ، لأنه لم يصل الخامسة التي أمر بصلاتها ، ومن باب إقدامه على ترك إتمام صلاته قبل أن يوقن بتمامها ، فهما شيئان متغايران دخل الغلط على من أراد مزجهما . وهكذا القول في الاجتهاد في القبلة إنما هو مأمور بمقابلة المسجد الحرام فقط ، وغير مأمور بالصلاة إلى جهة غيرها ، لكن الاثم عنه مرتفع إن وافق غيرها باجتهاده ، وهو مخطئ وغير مأجور في ذلك ، وإنما يؤجر على اجتهاده لا على ما أداه إليه الاجتهاد إلا أن يكون يؤديه إلى حق فحينئذ يؤجر أجرين أجرا على الطلب وأجرا على الإصابة ، ولسنا نقول : إن كل مجتهد فهو مأمور بما أداه إليه اجتهاده بل هذا عين الخطأ ، ولكنا نقول : كل مجتهد فهو مأمور بالاجتهاد