ابن حزم

628

الاحكام

ما صح في أول لم يبطل في ثان إلا بنص أو إجماع ، وكذلك الحبس والهبات والصدقات والعمري كل ذلك قد بان عن الملك ، فالرجوع فيه كسب على غيره وقد جاء النص ببطلان ذلك ، قال الله تعالى : * ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ) * وأما القرض المؤجل فقد صح النص فيه بالأجل ، وإذا صح بالنص فهو ثابت فلا رجوع لاحد فيه إذا كان شرط الاجل في حين القرض لقوله تعالى : * ( إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فإن انعقد حالا ، ثم شرط على نفسه أجلا فهو شرط فاسد لا يلزمه ، والدين حال كما كان ، لأنه شرط ليس في كتاب الله ، ولا أجمع على لزومه فهو باطل . وأما المزارعة والمساقاة المعقودتان إلى أجل فقد ادعى قوم أن كل من أجازهما - وهم أهل الحق - قد أجازوهما إلى أجل مسمى ، فالاجل فيهما شرط صحيح . وإذا كان صحيحا في حين العقد فهو لازم ، وإذا كان لازما في وقته لم يبطل في ثانية إلا بنص أو إجماع ، ولا نص ولا إجماع في ذلك إلا بتراضيهما معا ، للاجماع على جواز ذلك . قال أبو محمد : وهذا خطأ ، بل قد صح الاجماع على عقدهما بغير أجل ، ولم يأت عن أحد من الصحابة ، ولا من التابعين تجويزهما إلى أجل فعقدهما إلى أجل لا يجوز البتة ، لأنه لم يوجد نص ولا إجماع ، فهو شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل بحكم النبي صلى الله عليه وسلم . وليس تراضي المتعاقدين عقدا صحيحا ، أو المتشارطين شرطا صحيحا ، بنص أو إجماع ثم تراضيا معا على فسخه أو تأجيله ، مجيزا لهما ذلك ، بل رضاهما بفسخه أو تأجيله ، باطل ، والعقد والشرط باق كما كان ، إلا أن يبيح لهما النص أن يتراضيا على فسخه ، فيكون لهما ذلك حينئذ ، وإلا فلا ، لأنه ليس لأحد أن يوجب ، ولا أن يحرم ، ولا أن يحلل إلا بنص ، ومن تعدى ذلك فقد تعدى حدود الله تعالى ، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله ، قال الله تعالى : * ( أم للانسان ما تمنى ) * ، والكل عبيد لا أمر لهم ولا حكم إلا ما حكم به عليهم ، ولهم خالقهم ومولاهم عز وجل . وأما النكاح والبيع فقد جاء النص بصفة عقدهما ، وبصفة فسخهما ، فليس