ابن حزم

629

الاحكام

لاحد أن يعقدها بغير تلك الصفة ، فإن فعل فليس نكاحا ولا بيعا ، وهو مردود مفسوخ أبدا . ومن عقدهما كما أمر فليس له فسخهما إلا بالصفة التي أتى النص بفسخهما بها ، وإلا كان فسخه باطلا مردودا ، وثبت عقدهما كما كان ، وقد حرم بيع أم الولد بالنص الوارد في ذلك مما قد ذكرناه في كتاب الايصال وفي المحلى ، فلم يلتفت إلى الخلاف في ذلك . وقد صح النص بجواز الهبة ووجوب قبولها ، وتحريم الرجوع فيها ، فلم يجز الرجوع في شئ من الهبة ولا الصدقة من ذلك حاشا العطية للولد فقط ، للنص في ذلك ، ولم يأت نص ولا إجماع على رد الحبس لا بتراض ولا بغير تراض فلم يجز أصلا . قال أبو محمد : فإن قال قائل : أنتم لا تلزمون أحدا الوفاء بعهده ووعده إلا أن يوجب ذلك عليه نص ، ومن مذهبكم أن وعد الله تعالى ووعيده نافذان لا سبيل إلى دخول خلف فيهما . فالجواب : أن هذا الذي نقول هو الذي لا يجوز تعديه ، لأننا متعبدون ليس لنا أن نلتزم شيئا إلا ما ألزمنا خالقنا تعالى ، فإلزامنا فعل شئ لم يأتنا نص ولا إجماع بأن نفعله باطل ، والله تعالى ليس كذلك ، لأنه ليس فوقه أمر فكل ما قضى به نافذ وكل ما قاله فحق . وأيضا فوعدنا نحن ليس خبرا لأنه لا علم لنا بما يكون في المستأنف ، والله تعالى ليس كذلك ، لأنه عليم بما يكون قبل أن يكون ، فكل ما أخبر تعالى أنه يفعله فلا بد أن يفعله ، ومن أجاز غير ذلك أجاز على الله تعالى الكذب في خبره ، تعالى الله عن ذلك قال الله عز وجل : * ( قال فالحق والحق أقول ) * ما خالف الحق فهو باطل تعالى الله عن الباطل ، فوعد الله تعالى ووعيده خبر لا بد من كونه لأنه حق وصدق وعلم منه تعالى بما يكون من ذلك ، وعلمه صادق لا يخيس أصلا . ولا يظن ظان أننا نقول بالوعيد كقول المعتزلة : من إبطال سيئة واحدة للحسنات ، ومن الخلود على المصر على الكبائر ، ومعاذ الله من ذلك . ولكنا نقول بما جاء به النص من الموازنة ، وذهاب السيئات بالحسنات ، بمعنى أن الحسنات تذهب السيئات ، وبأن من استوت حسناته وسيئاته ، أو رجحت حسناته لم ير نار أصلا ، ولكن من رجحت سيئاته وكبائره ممن مات مصرا فهؤلاء الذين يخرجون من النار بالشفاعة ، ولا خلود على مسلم في النار ، ولا يدخل الجنة كافر أبدا ، وبالله تعالى التوفيق ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .