ابن حزم

740

الاحكام

وأما شريعة إبراهيم عليه السلام فهي شريعتنا هذه بعينها ، ولسنا نقول : إن إبراهيم بعث إلى الناس كافة ، وإنما نقول : إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة بالشريعة التي بعث تعالى بها إبراهيم عليه السلام إلى قومه خاصة دون سائر أهل عصره ، وإنما لزمتنا ملة إبراهيم ، لان محمدا صلى الله عليه وسلم بعث بها إلينا ، لا لان إبراهيم عليه السلام بعث بها قال تعالى : * ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ) * وقال تعالى : * ( بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) * . قال أبو محمد : فانبلجت المسألة والحمد لله رب العالمين . ونسخ الله تعالى عنا بعض شريعة إبراهيم كما نسخ أيضا عنا بعض ما كان يلزمنا من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم . فمن ذلك ذبح الأولاد نسخ عنه عليه السلام كما نسخ عنا أيضا بقوله تعالى : * ( ولا تقتلوا أولادكم ) * وبقوله تعالى : * ( وإذا الموؤودة سئلت ئ بأي ذنب قتلت ) * وبقوله تعالى : * ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم ) * ونسخ الاستغفار للمشركين بقوله تعالى : * ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ) * وبقوله تعالى : * ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) * وقد وعد النبي صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب بالاستغفار ، كما وعد إبراهيم عليه السلام أباه بالاستغفار حتى نهى الله تعالى كليهما عن ذلك . وأما قول إبراهيم عليه السلام لقومه إذ رأى الكوكب * ( هذا ربي ) * فإنما كان تقريرا لهم تبكيتا لا استدلالا ومعاذ الله أن يقول إبراهيم بالعبودية لاحد دون الله تعالى ، ومن كان مثل إبراهيم سبقت له من الله تعالى سابقة علم في انتخابه للرسالة والخلة لا يستدل بكبر الشمس على ربوبيتها وهو يرى الفلك أكبر منها ، فصح أن ذلك توبيخ لهم على فساد استدلالهم في عبادتهم للنجوم ، وأن هذا إنما هو كما قال : * ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) * أي عند نفسك في الدنيا وعند قومك المغرورين وإلا فهو في تلك الحال الدليل المهان وقال قوم متكلفون