ابن حزم

737

الاحكام

علينا الاقرار بالأنبياء السالفين ، وبأنهم بعثوا إلى قومهم بالحق لا إلى كل أحد ولم يكتب علينا العمل بشرائعهم . واحتجوا بدعائه صلى الله عليه وسلم بالتوراة يوم رجم اليهوديين ، وأنه عليه السلام سألهم : ما تجدون في التوراة ؟ فلما أخبروه بالرجم وأنهم تركوه قال عليه السلام : أنا أول من أحيا أمر الله تعالى . قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، بل هو تأويل سوء ممن تأوله ، لأنه عليه السلام بلا شك في شريعته المنزلة عليه قد أمر برجم من أحصن من الزناة ، وإنما دعا صلى الله عليه وسلم بالتوراة حسما لشغب اليهود ، وتبكيتا لهم في تركهم العمل بما أمروا به ، وإعلاما لهم بأنهم خالفوا كتابهم الذي يقرون أنه أنزل عليهم . ومن قال : إنه صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين اتباعا للتوراة ، لا لأمر الله تعالى له برجم كل من أحصن من الزناة في شريعته المنزلة عليه ، فقد كفر وفارق الاسلام وحل دمه ، لأنه ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم عصيان ربه فيما أمره به في شريعته المنزلة عليه ، إذ تركها واتبع ما أنزل في التوراة . وقد أخبر تعالى أن اليهود يحرفون الكلم عن مواضعه ، فمن الكفر العظيم أن يقول من يدعي أنه مسلم : إن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بكتاب قد أخبر أنه محرف . ووالله إن العجب ليعظم ممن ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم بما في التوراة في رجم يهوديين زنيا ، وهو يرفع نفسه الخسيسة عن هذا ، فيقول : إن قدم إلي يهوديان زنيا لم أقم عليهما الحد ، ورددتهما إلى أهل دينهما ، فهو يترفع عما يصف به نبيه ص ) ، نبرأ إلى الله تعالى من نصر كل مذهب يؤدي إلى مثل هذه البوائق والكبائر ، وحسبنا الله ونعم الوكيل . واحتجوا بما روي : أنه صلى الله عليه وسلم سدل ناصيته كما يفعل أهل الكتاب ، ثم فرقها بعده ، وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه فيه شئ . قال أبو محمد : وهذا الحديث من أقوى الحجج عليهم ، لأنه نص فيه على أنه صلى الله عليه وسلم إنما كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه فيه شئ ، فصح أنه عليه السلام إنما كان يفعل ذلك في المباح له فعله ، وتركه مما لم ينه عنه ولا