ابن حزم

704

الاحكام

ابن عروة وثابت وهشام ، عن أبيه عن عائشة ، وثابت عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون النخل فقال : لو لم تفعلوا لصلح قال فخرج شيصا ، فمر بهم فقال : ما لنخلكم ؟ فقالوا : قلت كذا وكذا ، قال : أنتم أعلم بأمور دنياكم . قال أبو محمد : فهذا بيان جلي - مع صحة سنده - في الفرق بين الرأي في أمر الدنيا والدين ، وأنه صلى الله عليه وسلم لا يقول الدين إلا من عند الله تعالى ، وأن سائر ما يقول فيه برأيه ممكن فيه أن يشار عليه بغيره فيأخذ عليه السلام به ، لان كل ذلك مباح مطلق له ، وإننا أبصر منه بأمور الدنيا التي لا خير معها إلا في الأقل ، وهو أعلم منا بأمر الله تعالى وبأمر الدين المؤدي إلى الخير الحقيقي ، وهذا نص قولنا . وبالله تعالى التوفيق . وفي هذا كفاية والحمد . ومن ذلك ما قال أبو بكر يوم الحديبية لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال له بعض من حضر : أرى أن نميل على عيال هؤلاء - فقال أبو بكر : نرى أن نمضي لوجهنا فهذا كله مباح للامام أن يغزو ، وله أن يؤخر الغزو ويومه ذلك وشهره ذلك ، ويغزو بعد ذلك . فاعلم الآن أن الاجتهاد إنما هو طلب الحقيقة من الوجوه المؤدية إليها ، لا من حيث لا يؤدي إليها والطلب ، كما ذكرنا هو الاستدلال ، فالاستدلال والاجتهاد شئ واحد ، وقد يستدل من لا يقع على حقيقة الدليل . وكون الشئ في نفسه حقا هو شئ آخر . لأنه قد يكون الشئ حقا ولا يوافق له طالبه ، ولا يضر ذلك الحق ، كما أن في منازلنا أشياء لا يعلمها غيرنا من الناس ، وليس جهل من جهلها أو ظن فيها غير ما فيها مما يحيل الحق عن وجهه ، كما لا نريده علم من علمه درجة في أنه حق ، والحق المعلوم والحق المجهول سواء في أنهما حق ، واقعان تحت جنس الحق ، وكل شيئين وقعا تحت نوع واحد أو تحت جنس واحد ، فإنهما متساويان في ذلك النوع وذلك الجنس مساواة صحيحة ، نعني فيما أوجبه لهما تلك الجنسية ، أو تلك النوعية وكل من بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر فقد لزمه البحث عنه ، فإن لم يفعل فقد عصى الله تعالى . وكل من قامت عليه حجة من أصول صححها . وأقر بأنها حق ، فلاحت له وفهمها ، ثم لم يرجع إلى موجبها لتقليد ، أو لأنه ظن أن ههنا حجة أخرى لا يعلمها فهو فاسق ، وذلك نحو من أقر بخبر الواحد ، فأتاه حديث صحيح مسند ، فتركه