ابن حزم

705

الاحكام

لقياس أو لهوى ، أو تقليدا لمالك أو للشافعي أو لأبي حنيفة أو لأحمد أو لداود ، أو لصاحب من الصحابة أو تابع ، أو فقيه قديم أو حديث معتقدا أن ذلك الفقيه أو الصاحب كان عنده فضل علم جهله هو ، أو أن النص الذي قاس عليه أحق أن يتبع ، فهو فاسق ساقط العدالة عاص لله عز وجل . وأما من تعلق بحديث آخر معارض للحديث الذي بلغه ، فما دام لا يحقق أصلا في بناء الأحاديث بعضها على بعض ، فهو مأجور على اجتهاده - وإن كان مخطئا - ولا إثم عليه في خطئه ، وهكذا القول في الآي ، وفي الأحاديث والآي ، ولا فرق . وأما من ذكرنا قبل فبخلاف ذلك ، لأنه ترك الحق وهو يعلمه ، فدخل فيمن شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى . وأما إذا حقق أصلا في بناء الأحاديث أو الآي ، أو الأحاديث مع الآي فالتزمه ، ثم لم يعتقد موجبه فهو فاسق كما قدمنا للآية التي قال تعالى فيها : * ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم ) * وهذا الذي فعل ما ذكرنا ، فقد ترك ما أقر بلسانه أنه هدى وأنه أمر الله تعالى ورسوله عليه السلام ، وصار فيمن شهد على نفسه . وكذلك من أبى قبول خبر الواحد ، أو أبى قبول وجه العمل في البناء الصحيح في النصوص ، فأقيمت الحجة عليه في ذلك كله ، من براهين راجعة إلى النصوص وفهمها ولاحت له فلم يرجع إلى الحق في ذلك ، وإنما يعذر من لم تقم عليه حجة بجهله فقط ، وكذلك من قامت عليه البراهين في إبطال القياس فتمادى عليه . وأما من أجاز أن يكون صاحب فمن دونه ينسخ أمرا أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يحدث شريعة ، فهذا كافر مشرك حلال الدم والمال ، بمنزلة اليهود والنصارى ، وعليه لعنة الله ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين ، ونحن برآء منه وهو برئ منا ، فإن لم تقم عليه الحجة فهو مخطئ مأجور مرة لقصده إلى الخير ، وبالله تعالى التوفيق ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .