ابن حزم
703
الاحكام
لو أوجب شيئا في الدين بغير وحي ، لكان مفتريا على ربه تعالى ، وقد عصمه الله عز وجل من ذلك ، وكفر من أجازه عليه ، فصح أنه صلى الله عليه وسلم لا يفعل شيئا إلا بوحي ، فسقط الاجتهاد الذي يدعيه أهل الرأي أو القياس جملة . وقال تعالى : * ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) فصح بهذه الآية أن كل نبي كان قبله ، فهكذا كانوا أيضا ، إنما اتبع كل نبي شرعته التي أوحي إليه بها فقط . وأما أمور الدنيا ومكايد الحروب - ما لم يتقدم نهي عن شئ من ذلك - وأباح الله تعالى له التصرف فيه كيف شاء ، فلسنا ننكر أن يدبر عليه السلام كل ذلك على حسب ما يراه صلاحا ، فإن شاء الله تعالى إقراره عليه أقره ، وإن شاء إحداث منع له من ذلك في المستأنف منع ، إلا أن كل ذلك مما تقدم الوحي إليه بإباحته إياه ولا بد . وأما في التحريم والايجاب فلا سبيل إلى ذلك البتة ، وذلك مثل ما أراد النبي ( ص أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة فهذا مباح ، لان لهم أن يهبوا من أموالهم ما أحبوا ما لم ينهوا على ذلك ، ولهم أن يمنعوه ما لم يؤمروا بإعطائه ، وكذلك منازله صلى الله عليه وسلم في حروبه ، له أن ينزل من الأرض حيث شاء ، ما لم ينه عن مكان بعينه ، أو يؤمر بمكان بعينه ، وكذلك قوله السلام في تلقيح ثمار أهل المدينة ، لأنه مباح للمرء أن يلقح نخله ويذكر تينه ، ومباح أن يترك فلا يفعل شيئا من ذلك . وقد أخبرني محمد بن عبد الله الهمداني عن أبيه : أنه ترك تينه سنين دون تذكير فاستغنى عن التذكير ، فلعل النخل كذلك ، لو توبع عليه ترك التلقيح سنة بعد سنة لاستغنى عن ذلك . وهذا كله ليس من أمور الدين الواجبة والمحرمة في شئ ، إنما هي أشياء مباحة من أمور المعاش ، من شاء فعل ومن شاء ترك ، وإنما الاجتهاد الممنوع منه ما كان في التحريم والايجاب فقط بغير نص ، وقد نص النبي عليه السلام في حديث التلقيح على قولنا . وقال صلى الله عليه وسلم : أنتم أعلم بأمور دنياكم . وقد حدثنا بهذا الحديث عبد الله بن يوسف بن ناهي ، عن أحمد بن فتح ، عن عبد الوهاب بن عيسى ، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن علي ، عن مسلم ، حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة وعمر والناقد ، وكلاهما عن أسود بن عامر ، ثنا حماد بن سلمة ، عن هشام