ابن حزم
477
الاحكام
ثم ينسخه عنا قبل أن يتم عمل ذلك ، وليس الكذب في الأمر والنهي مدخول إنما يدخل الكذب في الاخبار ، فلو أن الامر خرج بهذا التحديد بلفظ الخبر لم يجز نسخه ، لأنه كان يكون كذبا مجردا ، إذ في الاخبار يقع الكذب ، وهذا بخلاف الامر إذا خرج بلفظ الخبر غير مرتبط بتحديد وقت ، فالنسخ جائز فيه ، لأنه ليس يكون حينئذ كذبا ، وإنما يكون النسخ حينئذ بيانا للوقت الذي لزمنا فيه ذلك العمل ، فما جاء بلفظ الخبر على التأييد فلا يجوز نسخه قول الله : هي خمس وهي خمسون ، لا يبدل القول لدي فلو بدل لكان هذا القول كذبا ، ومنه لابد الأبد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ، والقول في المتعة فهي حرام بحرمة الله ورسوله إلى يوم القيامة ، فلو نسخ هذان الأمران لكان هذان القولان كذبا إذ كان يبطل وجوده ما أخبرنا بوجوده إلى يوم القيامة ، وبالله تعالى التوفيق . فصل في نسخ القرآن بالسنة والسنة بالقرآن قال أبو محمد : اختلف الناس في هذا بعد أن اتفقوا على جواز نسخ القرآن بالقرآن ، وجواز نسخ السنة بالسنة ، فقالت طائفة : لا تنسخ السنة بالقرآن ولا القرآن بالسنة ، وقالت طائفة : جائز كل ذلك ، والقرآن ينسخ بالقرآن وبالسنة والسنة تنسخ بالقرآن وبالسنة . قال أبو محمد : وبهذا نقول وهو الصحيح ، وسواء عندنا السنة المنقولة بالتواتر والسنة المنقولة بأخبار الآحاد ، كل ذلك ينسخ بعضه بعضا ، وينسخ الآيات من القرآن ، وينسخه الآيات من القرآن ، وبرهان ذلك ما بيناه في باب الاخبار من هذا الكتاب ، من وجوب الطاعة لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، كوجوب الطاعة لما جاء في القرآن ولا فرق ، وأن كل ذلك من عند الله بقوله تعالى : * ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) * فإذا كان كلامه وحيا من عند الله عز وجل ، والقرآن وحي ، فنسخ الوحي بالوحي جائز ، لان كل ذلك سواء في أنه وحي . واحتج من منع ذلك بقوله تعالى : * ( قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ) * قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه لأننا لم نقل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم