ابن حزم
478
الاحكام
بدله من تلقاء نفسه ، وقائل هذا كافر ، وإنما نقول : إنه عليه السلام بدله بوحي من عند الله تعالى ، كما قال آمرا له أن يقول : * ( إن أتبع إلا ما يوحى إلى ) * فصح بهذا نصا جواز نسخ الوحي بالوحي ، والسنة وحي فجائز نسخ القرآن بالسنة ، والسنة بالقرآن . واحتجوا أيضا بقوله تعالى : * ( ما ننسخ من آية أو ننسأها نأت بخير منها أو مثلها ) * قالوا : والسنة ليست مثلا للقرآن ولا خيرا منه . قال أبو محمد : وهذا أيضا لا حجة لهم فيه ، لان القرآن أيضا ليس بعضه خيرا من بعض ، وإنما المعنى نأت بخير منها لكم أو مثلها لكم ، ولا شك أن العمل بالناسخ خير من العمل بالمنسوخ ، قبل أن ينسخ ، وقد يكون الاجر على العمل بالناسخ مثل الاجر على العمل بالمنسوخ قبل أن ينسخ ، وقد يكون أكثر منه ، إلا أن فائدة الآية أننا قد أمنا أن يكون العمل بالناسخ أقل أجرا من العمل بالمنسوخ قبل أن ينسخ ، لكن إنما يكون أكثر منه أو مثله ، ولا بد من أحد الوجهين ، تفضلا من الله تعالى - لا إله إلا هو - علينا . وأيضا فإن السنة مثل القرآن في وجهين : أحدهما : أن كلاهما من عند الله عز وجل على ما تلونا آنفا من قوله تعالى : * ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى ) * . والثاني استواؤهما في وجوب الطاعة بقوله تعالى : * ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) * وبقوله تعالى * ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) * وإنما افترقا في ألا يكتب في المصحف غير القرآن ، ولا يتلى معه غيره مخلوطا به ، وفي الاعجاز فقط . وليس في العالم شيئان إلا وهما يشتبهان من وجه ويختلفان من آخر لا بد من ذلك ضرورة ولا سبيل إلى أن يختلفا من كل وجه ، ولا أن يتماثلا من كل وجه ، وإذ قد صح هذا كله ، فالعمل بالحديث الناسخ أفضل وخير من العمل بالآية المنسوخة ، وأعظم أجرا ، كما قلنا قبل ولا فرق ، وقد قال تعالى : * ( ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ) * وقد تكون المشركة خيرا منها في الجمال وفي أشياء من الأخلاق ونحوها ، وإن كانت المؤمنة خيرا عند الله تعالى ، وهذا شئ يعلم حسا ومشاهدة ، وبالله تعالى التوفيق .