ابن حزم

476

الاحكام

الأفلاك ، وفي الكرسي وتحت العرش وحوله ، والليل إنما يبلغ إلى فلك القمر الذي هو سماء الدنيا فقط ، والجن مرجومون بالشهب إذا دنوا منها بنص القرآن بقوله تعالى : * ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين ) * فصح يقينا أن الملائكة لا تلزمهم صلاتنا ، لأنهم لا ليل عندهم ولا نهار ، وإنما هو في أنوار بسيطة صافية ، وإنما تلزم الصلوات في أوقات الليل والنهار . وقد احتج في هذا بعض من تقدم بأن قال : يقال لمن أبى ذلك : ما الذي أنكرتم ؟ أنسخ ما قد فعل ، أم نسخ ما لم يفعل ، أن نسخ الامر الوارد بالفعل ؟ ولا سبيل إلى قسم رابع ، فإن قالوا : نسخ ما قد فعل ، أحالوا ، ولا سبيل إلى نسخ ما قد فعل ، لأنه قد فعل وفني ، فلا سبيل إلى رده ، وإن قالوا : نسخ ما لم يفعل ، فقد أثبتوا نسخ الشئ قبل فعله ، وهذا هو نفس ما أبطلوا ، لان الذي لم يفعل هو غير الذي فعل ضرورة . فإن قالوا : نسخ الامر فلا فرق بين نسخ الامر قبل أن يفعل الناس ما أوجب ذلك الامر ، وبين نسخه بعد أن يفعل الناس ما أوجب ذلك الامر ، والفعل المأمور به على كل حال غير الامر به ، فلا يتعلق الامر بالفعل لأنه غيره ، لان الامر هو فعل الله مجردا ، والفعل هو فعلنا نحن فبينهما فرق كما ترى . قال أبو محمد : وهذه حجة ضرورة لا محيد عنها . واحتج أيضا بأن قال : إن الامر إذا ورد ففعله فاعلون ثم نسخ فلا خلاف في جواز ذلك ، ولا شك في أنه قد بقي خلق كثير لم يعملوا به ممن لم يأت بعد ، وقد كانوا مخاطبين بذلك الامر حين نزوله ، فقد نسخ قبل أن يعمل به هؤلاء الذين لم يعملوا به ، ولا فرق بين أن يجوز نسخه قبل أن يعمل به بعض المأمورين وبين نسخه قبل أن يعمل به أحد منهم . قال أبو محمد : وهذه أيضا حجة ضرورية لا محيد عنها . قال أبو محمد : وسألني سائل فقال : لو أمر الله تعالى بأمر فقال : اعملوا بهذا الامر ثمانية متصلة ، أو قال أبدا ، أيجوز نسخ هذا أم لا ؟ فقلت : إن النسخ جائز في هذه لأنه من باب نسخ الشئ قبل أن يعمل به ، ولافرق بين أن يأمرنا بخمسين صلاة نصليها ، وبين أن يأمرنا بعمل ما أبدا ، أو ثمانية أيام ،