ابن حزم

470

الاحكام

: أحدهما : أنه يقفو ما ليس له به علم ويكذب ، والثاني : أنه لم يتخلص بعد من إلزامنا ويقال له : لا بد أنه قد كان بين بلوغهم العدد الذي بلغوه حين نزول آية إيجاب القتال عليهم ، وبين نزول الآية وقت ما لا بد منه فقد كان العدد موجودا ولا قتال عليهم . ثم نسخ بإيجاب القتال . وأيضا فإنه ليس في المعقول أصلا ، ولا في الوجود عدد إذا بلغته الجماعة قويت على محاربة أهل الأرض كلهم ، وقد ألزم الله تعالى المسلمين إذا أمرهم بالقتال مجاهدة كل من يسكن معمور العالم من الناس ، والمسلمون يومئذ لم يبلغوا الألف ، وقد علم كل ذي عقل أنه لا فرق في القوة - على محاربة أهل الأرض كلهم - بين ألف وألفين وبين واحد واثنين . وإنما ههنا نزول النصر ، فإذا أنزل الله تعالى على الانسان الواحد قوي ذلك الواحد على محاربة أهل الأرض كلهم ، وعجزوا كلهم عنه ، كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : * ( والله يعصمك من الناس ) * وأيقنا بذلك لو بارزوه كلهم لسقطوا أمامه ، ولقدر على جميعهم . وقد قال بعض المخالفين لقولنا : إن الصبر على القتال أثقل لذي النفس الآنفة . قال أبو محمد : ويكفينا من الرد على هذه المقالة تكذيب الله عز وجل لها ، فإنه تعالى خاطب الصحابة رضي الله عنهم ، وهم آنف الناس نفوسا ، وأحماهم قلوبا ، وأعزهم همما ، أو خاطب أيضا كل مسلم يأتي إلى يوم القيامة وهم أعز الأمم نفوسا ، وأقرها على الضيم ، بأن قال تعالى : * ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى ان تحبوا شيئا وهو شر لكم ) * وكفانا عز وجل الشغب والتعب وبين أن الكتاب مكروه عندنا . والمكروه أثقل شئ . وأخبرنا سبحانه وتعالى أن المكروه - الذي هو أثقل - قد يكون لنا فيه خير أكثر مما في الأخف ، فقد حكم الله تعالى لنا في هذه المسألة حكما جليا ، لا يسوغ لاحد أن يتكلم بعد سماعه في هذا المعنى بكلمة مخالفة لقولنا ، والحمد لله رب العالمين . واعترض بعضهم بأن قال : لم تكن الخمر مباحة ، بل كانت حراما بالعقل فلم ينسخ إباحتها . قال أبو محمد : فنقول وبالله تعالى التوفيق : إذ هذا القائل لو اشتغل بقراءة حديث النبي صلى الله عليه وسلم لكان ذلك أولى به من الكلام في الدين قبل النفقة فيه ، وقد روينا في الحديث الصحيح تحليلها قبل أن تحرم ، حدثنا عبد الله بن يوسف ، عن أحمد