ابن حزم
462
الاحكام
الفطر ، والاطعام ، من ندب إلى فرض ومثل نسخ قيام الليل ، فإنه نسخ بالنص المنقول بإجماع من فرض إلى ندب . قال أبو محمد : وقد ادعى قوم في قوله تعالى : * ( ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) * . قال أبو محمد : وهذا خطأ لأنه ليس إجماعا ، ولا فيه بيان نسخ ، ولا نسخ عندنا في هذه الآيات أصلا ، وإنما هي فرض البراز للمشركين ، وأما بعد اللقاء فلا يحل لواحد منها أن يولي دبره جميع من على وجه الأرض من المشركين إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة - على ما نبين في موضعه إن شاء الله تعالى - أو من كان مريضا أو زمنا بقوله تعالى : * ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ) * . فإن قالوا : إن الضعيف القلب معذور لأنه دخل في جملة الضعفاء قيل لهم : هذا خطأ لان من رضي أن يكون مع الخوالف لضعف قلبه ، ملوم بالنص غير معذور ، وأيضا فإن ضعف القلب قد نهينا عنه بقوله تعالى : * ( ولا تهنوا ) * ولا يجوز أن يكون تعالى أراد وهن البدن ، لأنه لا يستطاع دفعه أصلا والله تعالى لا يكلف إلا ما نطيق ، وضعف القلب مقدور على دفعه ولو أراد الجبان أن يثبت لثبت ، ولكنه آثر هواه والفرار على ما لا بد له من إدراكه من الموت الذي لا يعدو وقعه ولا يتقدم ولا يتأخر وهذا بين وبالله تعالى التوفيق . والعجب ممن يقول : إن هذه الآية مبيحة لهروب واحد أمام ثلاثة فليت شعري من أين وقع لهم ذلك ؟ وهل في الآية التي ذكروا فرارا أو تولية دبر بوجه من الوجوه ، أو إشارة إليه ودليل عليه ؟ ما في الآية شئ من ذلك البتة ، وإنما فيها أخبار عن الغلبة فقط ، بشرط الصبر ، وتبشير بالنصر مع الثبات . ولقد كان ينبغي أن يكون أشد الناس حياء من الاحتجاج بهذه الآيات في إباحة الفرار عن ثلاثة : أصحاب القياس المحتجين علينا بقول الله تعالى : * ( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ) * ويقول لنا : إن ما فوق القنطار بمنزلة القنطار ، فهلا جعلوا ههنا ما فوق الاثنين ، بمنزلة الاثنين ولكن هكذا يفعل الله بمن ركب ردعه واتبع هواه وأضرب عن الحقيقة جانبا . وأما نحن فلو رأينا في الآيات المذكورة ذكر إباحة فرار لقلنا به ، ولسلمنا