ابن حزم

463

الاحكام

لأمر ربنا ، ولكنا لم نجد فيها لإباحة الفرار أثرا ولا دليلا بوجه من الوجوه ، وإنما وجدنا فيها أننا إن صبرنا غلب المائة منا المائتين ، وصدق الله عز وجل ، فليس في ذلك ما يمنع أن يكون أقل من مائة أو أكثر من مائة يغلبون العشرة آلاف منهم وأقل وأكثر ، كما قال تعالى : * ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) * وهكذا كله إخبار عن فعل الله تعالى ونصره عز وجل لمن صبر منا فتلك الآية التي فيها أن المائة منا تغلب المائتين ، وهي إخبار عن بعض ما في الآية التي فيها أن المائة منا تغلب الألف ، وهاتان الآيتان معا هما إخبار عن بعض ما في الآية التي فيها : * ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ) * فلم يخص في هذه الآية عددا من عدد ، بل عم عموما تاما . فإن قال قليل التحصيل : فأي معنى لتكرار ذلك وما فائدته ؟ . قيل له : قد ذكرنا الجواب عن هذا الفضول من السؤال السخيف ، في باب دليل الخطاب من ديواننا هذا ، ولكن لا بد من إيراد بعض ذلك ، لورود هذا السؤال فيقول وبالله تعالى التوفيق : هذا اعتراض منك على الله عز وجل ، والمعنى في ذلك والفائدة كالمعنى والفائدة في تكرار قصة موسى عليه السلام في عدة مواضع بعضها أتم في الخبر من بعض ، وبعضها مساو لبعض ، وكما كرر تعالى العنب والرمان والنخل بعد ذكر الفاكهة ، وكما كرر تعالى : وأقيموا الصلاة والصلاة الوسطى ، بعد ذكر المحافظة على جميع الصلوات . وكما كرر تعالى : فبأي آلاء ربكما تكذبان في سورة واحدة إحدى وثلاثين مرة : ولم يكررها ثلاثين مرة ، لا ثمانية وعشرين مرة . ولا كررها أيضا في غير تلك السورة ، وكما أخبر تعالى في مكان بأنه رب السماوات والأرض وما بينهما في مكان آخر بأنه رب الشعرى ، ولم يذكر معها غيرها . ولا يسأل رب العالمين عما قال ولا ما فعل ، وإنما علينا الايمان بكل ما أتى من عند الله وقبوله كما هو ، واعتقاده في موجبه ولا نتعداه ، ولنا الاجر على الاقرار به ، وعلى تلاوته ، وعلى قبوله كما ذكرنا . فأي حظ أعظم من هذا الحظ المؤدي إلى الجنة وفوز الأبد ، وهل يبتغي أكثر من هذا الامر إلا من لا عقل له ولا يسأل الله عما يفعل إلا ملحد أو جاهل أو سخيف أو فاسق ، لا بد من أحد هذه ، وما فيها حظ لمختار .