ابن حزم
449
الاحكام
ومعناه معنى الامر ، جاز النسخ فيه مثل قوله تعالى : * ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج ) * وفي هذا توجد منا المعصية مثل قوله تعالى : * ( مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ) * فإنما هذا أمر لنا بأن نؤمن كل من دخل مقام إبراهيم ، وليس هذا خبرا ، ولو كان خبرا لكان كذبا لأنه قد قتل الناس حوله ظلما وعدوانا . قال أبو محمد : وموجود في كل لغة أن يرد الامر بلفظ الخبر ، وبلفظ الاستفهام كقول القائل لعبده : أتفعل أمر كذا ، أو ترى ما يحل بك ؟ وإنما ذلك أن الخبر عن الشئ إيجاب لما يخبر به عنه ، والامر إيجاب لفعل المأمور به ، فهذا اشتراك بين صيغة الخبر وصيغة الامر ، فإذا قال قائل : حق عليك القيام إلى زيد ، فهذا خبر صحيح البنية ، معناه قم إلى زيد . وكذلك قوله تعالى : * ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) * معناه ليحج الناس منكم من استطاع ، وكذلك إذا قال القائل : قد أوجبت عليك القيام إلى زيد ، فهذا خبر صحيح البنية ، معناه قم إلى زيد ، وكذلك قوله تعالى : * ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ) * معناه صوموا ، فما كان من الاخبار هكذا فالنسخ فيها جائز ، وأما ما كان خبرا مجردا مثل : قام زيد وهذا عمرو ، ووقع أمس خطب كذا ، وزيد الآن قائم ، وغدا يكون أمر كذا ، فهو لا يجوز النسخ فيه البتة ، لأنه تكذيب لهذا الخبر والله تعالى منزه عن الكذب بإخباره تعالى أن قوله الحق ، وبقوله تعالى : * ( فالحق والحق أقول ) * وهو موصوف بأنه ينسخ ويحيل ويبدل الأمور بقوله تعالى : * ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) * وبقوله تعالى : * ( تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء ونذل من تشاء ) * وبقوله تعالى : * ( يضل من يشاء ويهدى من يشاء ) * بإخباره تعالى أنه كل يوم في شأن وقد اختلف أصحابنا في بعض الأوامر ، أيجوز فيها النسخ أم لا ، فقالوا : كل ما علم بالعقل فيجوز أن ينسخ مثل التوحيد وشبهه . قال أبو محمد : وهذا فاسد من القول ، لأنه مجمل لما لا يجوز مع ما لا يجوز ولكن يسأل قائل هذا القول ، فيقال : ما أردت بقولك لا يجوز نسخ التوحيد ؟ فإن كنت تريد أنه بعد أن أعلمنا الله تعالى أنه لا ينسخ هذا الدين أبدا لا يجوز تبديله ،