ابن حزم

450

الاحكام

وإن كنت تريد أنه لما سلف في سابق علم الله تعالى أنه لا ينسخه أبدا ، علمنا أنه لا يجوز نسخه فنعم ، هذا قوله صحيح ، وهكذا إباحة الكبش ، وتحريم الخنزير ، وجميع شرائع الملة الحنيفة المستقرة ، لا يجوز نسخ شئ منها أبدا ، ولا فرق بين التوحيد وسائر الشرائع في ذلك البتة . وإن كنت تريد أنه تعالى غير قادر على نسخ التوحيد ، أو أنه تعالى قادر على نسخه ، والامر بالتثنية أو التثليث ، إلا أنه لو فعل ذلك لكان ظلما وعبثا ، فاعلم أنك مخطئ ومفتر على الله تعالى ، لأنك معجز له متحكم عليه ، وقاض بأنك مدبر لخالقك عز وجل ، وموقع له تحت رتب وقوانين بعقلك إن خالفها عبث وظلم . وهذا كلام يؤول إلى الكفر المجرد ، والشرك المحض ، مع عظيم ما فيه من الجهل والجنون . بل نقول : إن الله عز وجل قادر على أن ينسخ التوحيد ، وعلى أن يأمر بالتثنية والتثليث وعبادة الأوثان ، وأنه تعالى لو فعل ذلك لكان حكمة وعدلا وحقا ، ولكان التوحيد كفرا وظلما وعبثا ، ولكنه تعالى لا يفعل ذلك أبدا ، لأنه قد أخبرنا أن لا يحيل دينه الذي أمرنا به ، فلما أمنا ذلك صار ما تبرأ الله منه كفرا وظلما وعبثا ، وصار ما أمر به حقا وعدلا وحكمة فقط . وليس اعتقادنا التوحيد حقا ولا حكمة بذاته ، دون أن يكون لله فيه أمر ، ولكن إنما صار حقا وعدلا وحكمة ، لان الله تعالى أمر به ورضيه ، وسماه حقا وعدلا وحكمة فقط . فهذا دين الله عز وجل الذي نص عليه بأن يفعل ما يشاء وأنه : * ( لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ) * وأنه لو أراد أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء ، وهذا هو القول الذي دلت العقول على صحته وبطلان ما عداه لان العقل يشهد أن الله تعالى خلقه ، وأنه كان تعالى حقا واحدا أولا ، إذ لا نفس حيوانية ولا عقل مركب فيها ولا في غيرها ، ولا جوهر ولا عرض ، ولا عدد ولا معدود