ابن حزم
440
الاحكام
فالجواب ، وبالله تعالى التوفيق : إننا قد قلنا في هذا ما يقع فيه من أنه ليس كل بيان نسخا ، فما كان من البيان نسخا لم يقع موصولا ، وما كان منه غير نسخ لكن تفسيرا لمراده تعالى في جملة ما ، فجائز أن يقع موصولا ، وجائز أن يقع في مكان آخر من القرآن والسنة ، وبالله تعالى التوفيق . والنسخ ينقسم في اللغة إلى قسمين : أحدهما : التعفية ، تقول : انتسخت دولة فلان ، ونسخت الربح أو القوم ، أي عفته جملة ، والقسم الثاني : تجديد الشئ وتكثير أمثاله ، تقول : نسخت الكتاب نسخا كثيرة ، فالقسم الأول الذي هو التعفية هو الذي قصدناه بالكلام في هذا الباب ، ولم نقصد القسم الثاني ، وإنما ذكرناه ليوقف عليه وليعلم أنا لا نقصده بالكلام في هذا الباب فيرتفع التخليط والاشكال إن شاء الله تعالى . فصل في الأوامر في نسخها وإثباتها قال أبو محمد : الأوامر نسخها وإثباتها تنقسم أقساما أربعة لا خامس لها ، فقسم ثبت لفظه وحكمه ، وقسم ارتفع حكمه ولفظه ، وقسم ارتفع لفظه وبقي حكمه ، وقسم ارتفع حكمه وبقي لفظه ، ففي هذه الأقسام الثلاثة الأواخر يقع النسخ ، وأما القسم الذي صدرنا به فلا نسخ فيه أصلا ، وأما القسم الذي ارتفع حكمه ولفظه . فقد روينا أن رجلا قرأ آية وحفظها ، ثم أراد قراءتها فلم يقدر ، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر عليه السلام أنها رفعت ، ومن ذلك العشر الرضعات المحرمات ، ومن ذلك السورة التي ذكر أبو موسى الأشعري ، أنهم كانوا يقرؤونها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت في طول سورة براءة ، وأنها نسيت فارتفعت من الحفاظ ، إلا آية منها وهي : لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملا جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب . والسورة التي ذكرها أيضا أبو موسى : أنها كانت تشبه إحدى المسبحات فنسيت ، ولم يحفظ منها إلا آية ذكرها ، وقد نص الله تعالى على ذلك إذ يقول : * ( ما ننسخ من آية أو ننسأها نأت بخير منها أو مثلها ) * ، وقد روينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة فأسقط منها آية ، فلما سلم قال : أثم أبي ، أو كما قال عليه السلام فأجابه فسأله رسول الله