ابن حزم

441

الاحكام

صلى الله عليه وسلم عما منعه أن يلقنه الآية ، فقال أبي : ظننت أنها رفعت ، فقال عليه السلام : لم ترفع فهذا بيان صحة ما ذكرنا من أنه يرفع لفظ الآية جملة . وأما القسم الذي رفع لفظه وبقي حكمه ، فآية الرجم ، وآية الخمس رضعات المحرمات وقد تعلل قوم في رد هذا الحديث بقول عائشة رضي الله عنها : فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهما لمما يقرأ من القرآن . قال أبو محمد : وهذا لا تعلل فيه ، وإنما معناه ، أنه يقرأ من القرآن الذي سقط رسمه وإثباته في المصحف ، ولم تقل قط عائشة إنه من القرآن المتلو في المصحف فبطل تعللهم ، وأما القسم الذي رفع حكمه وبقي لفظه ، فقوله تعالى : * ( فأمسكوهن في البيوت ) * وقوله تعالى : * ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم ) * وآيات كثيرة جدا ، وأما الذي ثبت لفظه وحكمه ، فسائر الآيات المحكمات . والأوامر الواردة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منقسمة على الأقسام الأربعة التي ذكرنا أيضا ، ولا يظن ظان أن قولنا هذا معارض لقولنا : إنه ليس له عليه السلام لفظ إلا قد بلغ إلينا ، فإننا إنما نفينا بقولنا هذا أن يكون له عليه السلام لفظ لم ينسخ حكمه ، فيسقط فلا يبلغ إلينا لا لفظه ولا حكمه . فهذا الذي نفينا جملة بقوله تعالى : * ( اليوم أكملت لكم دينكم ) * وبقوله تعالى : * ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) * وبقوله : * ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) * والحفظ يكون بتبليغ المعنى ، فكل حكم نقل إلينا كيفية فعله صلى الله عليه وسلم فيه ، وصفة حكمه ولم ينقل إلينا نص لفظه في ذلك ، فهو مما ارتفع لفظه وبقي حكمه ، وذلك نحو ما روي من قسمه عليه السلام مال البحرين وحكمه بالتمييز مع الشاهد ، ومساقاته ومزارعته أهل خيبر ، وما أشبه ذلك ، فهذا لا بد من أنه قد كان له من ذلك لفظ إلا أنه لم ينقل ، ونقل الحكم فهم بمنزلة ما ذكرنا أنه رفع لفظه من التلاوة وبقي حكمه ولا فرق ، وكل ذلك وحي من الله تعالى ، وأما المنسوخ لفظه وحكمه ، فمرفوع عنا علمه وتتبعه وطلبه .