ابن حزم
439
الاحكام
في وقت ما ، وقد سبق في علم الله عز وجل أنه سيحيلنا عنه إلى غيره في وقت آخر ، فإذا جاء ذلك الوقت بين لنا تعالى ما كان مستورا عنا من النقل عن ذلك العمل إلى غيره ، وبالجملة فإن اسم البيان يعم جميع أحكام الشريعة كلها ، لأنها كلها إعلام من الله تعالى لنا ، وبيان المراد منا . فإن قال قائل : ليس النسخ من البيان ، لان البيان يقع في الاخبار ، والنسخ لا يقع في الاخبار ، قيل له وبالله تعالى التوفيق : إننا لم نقل : إن النسخ هو البيان ، وإنما قلنا : هو نوع من أنواع البيان ، فكل نسخ بيان ، وليس كل بيان نسخا ، فمن البيان ما يقع في الاخبار وفي الأوامر ، ومنه ما يقع في الأوامر فقط ، فمن هذا النوع الواقع في الأوامر ، النسخ هو رفع لأمر متقدم ، وقد يكون أيضا بيان يقع في الأوامر ليس نسخا ، لكنه تفسير لجلة ، إلا أنه لا يجوز لاحد أن يحمل شيئا من البيان على أنه نسخ رافع لأمر متقدم ، إلا بنص جلي في ذلك أو إجماع أو برهان ضروري ، على ما نذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى في باب كيفية معرفة المنسوخ من المحكم . ألا ترى أن قوله تعالى : * ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) * فلسنا نقول : أنه نسخ أهل الكتاب من هذا الحكم ، لكنا نقول إن المراد بقوله تعالى في هذه الآية : * ( فاقتلوا المشركين ) * إنما هم من عدا أهل الكتاب ، وبين ذلك تعالى في استثنائه أهل الكتاب في الآية الأخرى . وهكذا قولنا في آية الرضاع ، وآية قطع السارق ، وقوله تعالى : * ( ألف سنة إلا خمسين عاما ) * فنقول بلا شك : إن الله تعالى لم يرد بذلك كل رضاعة ، ولا كل سارق ، ثم نسخ ذلك عن بعضهم : وكذلك قوله تعالى : * ( فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) * فإنه تعالى لم يرد بذلك العبيد والإماء ، ثم نسخ خمسين عنهم ولا ألف سنة كاملة ، ثم استدرك تعالى إسقاط الخمسين عاما ، لكنه تعالى أراد في كل ما ذكرناه ما بقي عندما استثنى عز وجل وخص من كل ذلك ، وكذلك قولنا في قوله تعالى : * ( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) * أنه تعالى لم يرد كل ما يقع عليه اسم نسك أو صدقة ، أو اسم صيام ، لكن أراد ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث لكعب بن عجرة . فإن قال قائل : إن البيان يقع موصولا بعضه ببعض ، والنسخ لا يقع موصولا ،