ابن حزم
436
الاحكام
ما ذكرنا من الائتساء به عليه السلام في أفعاله ، وأما من قال : نطلب الدليل ، فإن وجدنا دليل ، على وجوب الفعل صرنا إليه ، وإن لم نجد دليلا حملنا الافعال على الائتساء فقط ، فهي نفس قولنا ، إلا أننا نحملها على الائتساء أبدا ما لم نجد دليلا على الوجوب ، فإن وجدناه صرنا إليه ، وبالله تعالى التوفيق . قال أبو محمد : وأما الشئ يراه عليه السلام أو يبلغه أو يسمعه ، فلا ينكره ولا يأمر به فمباح ، لان الله عز وجل وصفه عليه السلام فقال : * ( الذين يتبعون النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ) * فلو كان ذلك الشئ منكرا لنهى عنه عليه السلام بلا شك ، فلما لم ينه عنه لم يكن منكرا فهو مباح المباح معروف ، وما عرفه عليه السلام فهو معروف ، ولا معروف إلا ما عرف ، ولا منكر إلا ما أنكر ، فمن ذلك : غناء الجاريتين في بيته ، وهو عليه السلام يسمع ولا ينكر ، فأنكر ذلك أبو بكر ، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر إنكاره ، فصح بذلك ما ذكرنا نصا ، ووجب الانكار على كل ما أنكر ما علمه عليه السلام فأقره . ومن ذلك زفن السودان ، فنهاهم عمر ، فأنكر عليه السلام على عمر إنكاره عليهم ، ومن ذلك اللعب التي رأى عليه السلام عند عائشة ، وفيها فرس ذو أجنحة مع نهيه عليه السلام عن الصور ، فكان ذلك إذا مستثنى مما نهى عنه ، ومثل إنكاره عليه السلام الصور في الستر ، مع إباحته لذلك إذا كان رقما في ثوب ، واستثناءه إياه من جملة ما نهى عنه من الصور ، فلما قطعت عائشة الستر وسادتين ، اتكأ عليه السلام عليهما ولم ينكرهما ، فصح من ذلك أن المعلق من الثياب التي فيها الصور مكروه ، ليس حراما ولا مستحبا ، لكن من تركها أجر ، ومن استعملها لم يأثم ، واختار ههنا عليه السلام الأفضل ، واختاره لعائشة وفاطمة رضي الله عنهما ، وصح بذلك أن الثياب التي فيها الصور وإذا كانت وسائد فذلك حسن مباح ولا مستحب لا نكرهه أصلا بل نحبه . وكذلك الشئ إذا تركه عليه السلام ولم ينه عنه ولا أمر به ، فهو عندنا مباح