ابن حزم
437
الاحكام
مكروه ، ومن تركه أجر ، ومن فعله لم يأثم ولم يؤجر ، كمن أكل متكئا ، ومن استمع زمارة الراعي ، فلو كان ذلك حراما لما أباحه عليه السلام لغيره ، ولو كان مستحبا لفعله عليه السلام ، فلما تركه كارها له كرهناه ولم نحرمه . فإن قال قائل : فقد ناموا بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم صلوا ولم يأمرهم بإعادة الوضوء ، وأنتم لا ترون ذلك ، قيل له وبالله التوفيق : ما روى أحد قط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآهم نياما ، ولا أعلم أنهم ناموا ، وإنما جاء الحديث : أنه عليه السلام أبطأ بالعشاء الآخرة حتى نام الناس ، وسمع لهم غطيط ، وصاح عمر : نام النساء والصبيان . فالحديث كما تسمع بين في أنهم ناموا وهو عليه السلام غائب غير حاضر ، وإنما أعلمه عمر بنوم النساء والصبيان ، وهذان الصنفان ليس عليهم حضور الصلاة في الجماعة فرضا ، وأيضا فمن أين للمحتج بهذا أن يقول : ناموا قعودا نوما قليلا ، بلا أن يرد ذلك في الحديث ، ولعل فيهم من نام مستندا إلى صاحبه أو إلى الحائط أو مضطجعا نوما طويلا ، ما يدري من لم يحضر نومهم كيف كان نومهم ، ومثل هذا من الدعاوي لا يستجيزها ذو دين متهم بالصدق . فلما صح أنه عليه السلام كان غائبا ، ولم يأتنا نص في أنه عليه السلام علم نومهم ، وصح أمره عليه السلام في حديث صفوان بن عسال المرادي بالوضوء من النوم جملة - : لزمنا ألا نزول عما أمرنا لأمر لا ندري أعلمه عليه السلام أم لم يعلمه ؟ ولو صح عندنا أنه عليه السلام علم أنهم ناموا وأقرهم على ذلك لقلنا به ، ولأسقطنا الوضوء عمن نام جملة على أي حال نام ، ولو صح في ذلك الخبر أن عمر قال : نام الناس ، لما كان لهم فيه متعلق ، لأنه كان يكون معناه نام الناس الذين ينتظرونه عليه السلام ، وكيف وكل طائفة منهم تخالف هذا الخبر ، لأنهم يخصون بعض أحوال النوم دون بعض ، وليس بيننا في الخبر أصلا . فإن قال قائل : أيجوز أن يخفى ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قيل له : نعم ، كما جاز عندكم معاشر الشافعيين والمالكيين والحنفيين قول جابر : كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله . على أن بيع أمهات الأولاد أشهر من نوم قوم في الليل ، والقوم في عوزة من المصابيح بركن المسجد .