ابن حزم
577
الاحكام
رسول الله صلى الله عليه وسلم : إننا سنركب سنن من قبلنا . فقيل : اليهود والنصارى يا رسول الله ؟ قال : فمن إذا وهذا مما أنذر به رسول الله ، فهو من معجزات نبوته وبراهينه عليه السلام ، وهكذا قلدت هاتان الطائفتان أحبارهم وأساقفتهم فحملوهم على آرائهم . قال أبو محمد : وتكلموا أيضا في معنى نسبوه إلى الاجماع ، وهو أن يختلف المسلمون في مسألتين على أقوال ، فيقوم برهان من النص على صحة أحد تلك الأقوال في المسألة الواحدة . فقال أبو سليمان : إنه برهان على صحة قولهم في المسألة الأخرى ، وخالفه في ذلك ابنه أبو بكر وأبو الحسن بن المغلس وجمهور أصحابنا ، وقول أبي سليمان في هذه المسألة خطأ لا خفاء به ، لأنه قول بلا برهان ثم يجب لو صح هذا أن يكون صواب من أصحاب في مسألة برهانا على أنه مصيب في كل مسألة قالها ، وهذا لا يخفى على أحد بطلانه ، وما ندري كيف وقع لأبي سليمان هذا الوهم الظاهر الذي لا يشكل ؟ وتكلموا أيضا في معنى نسبة هذا الاجماع وهو أن يصح إجماع الناس ، على أن حكم أمر كذا كحكم أمر كذا ، ثم اختلفوا فمن مانع لا من موجب ، ومن مبيح لكليهما ، أو من موجب حكما في كليهما ، فقال برهان من النص على حكم ما جاء في إحدى المسألتين ، فواجب أن يكون حكم الأخرى كحكمها لصحة الاجماع على أن حكمهما سواء . قال أبو محمد : لو أمكن ضبط جميع أقوال علماء جميع أهل الاسلام ، حتى لا يشذ منها شئ لكان هذا حكما صحيحا ، ولكن لا سبيل لضبط ذلك البتة ، وغير ما قدمنا مما لا يكون مسلما من لم يقل به ، وحتى لو أمكن معرفة قول العالم ، فقد كان يمكن رجوعه عن ذلك القول إذا ولى عنه السائل ليعرف قول غيره فوضح أنه لا سبيل البتة ، ولا إمكان أصلا في حصر أقوال جميع علماء أهل الاسلام في فتيا خارجة عن الجملة التي ذكرنا . قال أبو محمد : ونحن في غنى فائض ولله الحمد عن هذا التكلف . وفي مناديح رحبة في هذا التعسف بنصوص القرآن والسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا سبيل إلى وجود شرع لم ينص على حكمه والحمد لله رب العالمين .