ابن حزم
578
الاحكام
والمتكلمون في هذه المسألة حكمهم فيها بالمساقاة والمزارعة على الثلث والربع فإنهم قالوا : قد اختلف في الناس في ذلك ، فمن مانع من المساقاة أو المزارعة جملة ، ومن مبيح لها جملة ، ثم صح النص بإباحتها عن النصف ، وقد صح الاجماع على أن حكمها أقل من النصف ، وأكثر من النصف كالحكم في النصف . قال أبو محمد : ما نحتاج إلى هذه الشغاب الحرجة ، والدعاوى المعوجة ، بل نقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباح لأصحاب الضياع في تلك المعاملة النصف ، والمعاملين النصف ، فدخلها دون النصف ضرورة بالمشاهدة فيما جعل لكل طائفة من النصف ، فإذا تراضى الفريقان على أن يترك أحدهما مما يجعل له أخذه جزءا مسمى ، ويقتصر على بعضه . فذلك له ، إذ كل أحد محكم في مثل ذلك مما جعل له كما لو وهب الوارث بعض ميراث لمن يشركه في الميراث أو لغيره ، فإن قيل : فهلا أجزتم هذا بعينه في التراضي فيما يقع فيه الربا على خلاف التماثل ؟ قلنا : لم يجز ذلك لان النص الوارد في الربا مما عنى التماثل ، وحظره وتوعدنا عليه ، ولم يأت حكم نص المساقاة المزارعة والمواريث واشتراط مال المملوك المبيع والثمرة المأبورة بالمنع مما عدا ذلك ، بل أباح الاشتراط للنصف أو الكل ، ولم يمنع ما دخل في الإباحة المذكورة بالنص ما هو أقل من النصف أو الكل ، وبالله التوفيق . قال أبو محمد علي : وكثيرا ما نحتج مع المخالفين بما أجمعوا عليه معنا ، ثم ننكر عليهم الانتقال عنه إلى حكم آخر ، كقولنا لمن حرم الماء وحكم بنجاسته في إبل حرام حله ، فلم يغير لونه ولا طعمه ولا ريحه ، ومثل هذا كثير جدا فعاب ذلك علينا من لم يحصل وقال : قد جمعتم في هذه الطريق وجهين من عظيمين ، أحدهما الاحتجاج بإجماعهم معكم ، وأنتم تنكرون دعوى معنى الاجماع ، وتجعلونها كذبا على الامر أن يقال لكم : فما الذي أنكرتم على اليهود إذ قالوا : قد أجمعتم معنا على نبوة موسى عليه السلام وصحة التوراة وحكم السبت ، وخالفناكم في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصحة القرآن وشرائع دينكم . قال أبو محمد : فقلنا : ما تناقضنا في شئ من ذلك ، وأما احتجاجنا على مخالفينا موافقتهم لنا على حكم ما ، وإنكارنا عليه الخروج مما أجمع معنا عليه فإنما فعلنا ذلك لخروجه عما قد حكم بصحته إلى قول آخر بلا برهان من قرآن أو سنة فقط ،