ابن حزم

567

الاحكام

ولا انتشر فلا يكون إجماعا . وقالت طائفة : إنما يكون إجماعا إذا كان من قول أحد الأئمة الأربعة ، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم فقط وانتشر مع ذلك ، وإلا فليس إجماعا وإن كان من قول غيرهم فلا يكون حجة وإن انتشر . وقالت طائفة : ليس شئ من ذلك إجماعا ولكنه حجة . قال أبو محمد : فإنما قال من قال منهم هذه الأقوال ، عند ظفره بشئ منها مع انقطاع الحبل بيده وعدمه شيئا ينصر به خطأه وتقليده ، ثم هم أترك الناس لذلك إذا خالف تقليدهم ، لا مؤنة عليهم في إبطال ما صححوا وتصحيح ما أبطلوا في الوقت ، إنما حسب أحدهم نصر المسألة الدائرة بينه وبين خصمه في حينه ذلك ، فإذا انتقلا إلى أخرى فأخف شئ على كل واحد منهم تصحيح ما أبطل في المسألة التي انقضى الكلام ، وإبطال ما صحح فيها . فقد ذكر الأجهري محمد بن صالح المالكي عن ابن بكير وكل واحد منهم من جملة مذهب مالك ومقلديه : أنه كانت أصوله مبنية على فروعه ، إذا خرج قوله في مسألة على العموم قال : من قولي العموم وإذا خرج قوله في أخرى على الخصوص ، قال من قولي الخصوص . ولقد رأيت لعبد الوهاب بن علي بن نصر المالكي في كتابه المعروف بشرح الرسالة في باب من يعتق على المرء إذا ملكه فذكر قول داود : لا يعتق أحد على أحد ، وذكر قول أبي حنيفة : يعتق كل ذي رحم محرم . فقال : من حجتنا على داود قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ملك ذا رحم محرم فهو حر وهذا نص جلي . ثم صار إلى قول أبي حنيفة بعد ستة أسطار فقال : فإن احتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : من ملك ذا رحم محرم فهو حر قلنا : هذا خبر لا يصح . ولا أحصي كم وجدت للحنفيين والمالكيين والشافعيين تصحيح رواية ابن لهيعة ، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، إذا كان فيها ما يوافق تقليدهم في مسألتهم تلك ، ثم ربما أتى بعدها بصفحة أو ورقة أو أوراق احتجاج خصمهم عليهم برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، أو برواية ابن لهيعة ، فيقولون : هذه صحيفة ، وابن لهيعة ضعيف . قال أبو محمد : وهذا فعل من لا يتقي الله عز وجل ، ومن عمله يوجب سوء الظن بباطن معتقده ، ونعوذ بالله من الخذلان قال الله تعالى : * ( يحلونه عاما