ابن حزم

558

الاحكام

وعمر بن عبد العزيز ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر ، وعروة بن الزبير وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي ، وعامل عمر بن الخطاب الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر فله الشطر ، وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا وكذا ، ورأى ذلك الزهري . قال أبو محمد : فهل يكون عمل يمكن أن يقال : إنه إجماع - أظهر من هذا أو أفشى منه ؟ فقال هؤلاء المموهون باتباع أهل المدينة : هذا لا يحل ولا يجوز تقليدا لخطأ مالك في ذلك ، والعجب أن مالكا لم يدع إجماع أهل المدينة إلا في نيف وأربعين مسألة فاستحل هؤلاء القدر بنفحة ، وقمحوا جميع آرائه في إجماع أهل المدينة ، وإنا لله وإنا إليه راجعون على فشو الكذب واختداع أهل الغفلة والاغترار بالباطل . ثم إن المسائل المذكورة التي ذكر مالك أنها إجماع أهل المدينة تنقسم قسمين : أحدهما : لا يعلم فيه خلاف من أحد من الناس في سائر الأمصار ، وهو الأقل . والثاني : قد وجدنا فيه الخلاف ، كما هو موجود في غير المدينة . قال أبو محمد : ونقول لهم لا يخلو ما ادعيتموه - من إجماع أهل المدينة - من أن يكون عن توقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو يكون عن اجتهاد ، وقد تقدم إبطالنا لكل اجتهاد أدى إلى ما لا نص فيه ، أو إلى خلاف النص . ثم لو صح لهم فمن أين جاز أن يكون اجتهاد أهل المدينة أولى من غيرهم ؟ والنصوص التي يقيسون عليها معروفة عند غيرهم ، كما هي عندهم إذ كتمانها محال غير ممكن ، ولا فرق بين دعواهم هذه ودعوى غيرهم ، أو يكون إجماعهم عن توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يبق إلا هذا الوجه ، فلا يخلو ذلك التوقيف من أن يكون علمه الخارجون من المدينة من الصحابة ، أو جهلوه أو علمه من علمه من أهل المدينة سائر الناس أو كتموه ، فإن كان علمه الخارجون من المدينة من الصحابة أو علمه من علمه ممن بقي في المدينة من سائر الناس ، فقد استوى في العلم به أهل المدينة وغيرهم ضرورة ، وإن كان من بقي في المدينة كتمه عن سائر أهل البلاد . فهذا محال غير ممكن ، لان كل سر جاوز اثنين شائع فكيف ما علمه جميع أهل المدينة بزعمهم ؟ وحتى لو صح أنهم كتموه لسقطت عدالتهم ، قال الله عز وجل : * ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك