ابن حزم

559

الاحكام

يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ) * ولقد أعاذهم الله من هذا ، فبطل ضرورة ما ادعوه من إجماع أهل المدينة . وأيضا فإن الاجماع لا يصح نقله إلا بإجماع مثله ، أو بنقل تواتر ، وهم يرجعون في دعواهم الكاذبة لاجماع أهل المدينة إلا إلى إنسان واحد ، وهو مالك ، فهو نقل واحد كنقل غيره من العلماء ولا فرق . وأيضا فيقال لهم : أخبرونا هل خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبليغ أحكام الدين أو بعضها أو حكم واحد منها - المقيمين بالمدينة من الصحابة رضي الله عنهم عمن علم الله عز وجل أنهم سيخرجون عن المدينة . فإن قالوا : نعم كفروا وكذبوا ، إذ جعلوه صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الدين عمن يلزمه من علم الديانة كالذي يلزم غيره ، وصاروا إلى أقوال الروافض من كثب ، وإن قالوا : لا ، ثبت أن السنن هي بيان الدين في غير المدينة كما هي في المدينة ضرورة ولا فرق . وأيضا فإن من بقي بالمدينة من الصحابة رضي الله عنهم ، كانوا يجاهدون ويحجون ، ومن خرج عن المدينة منهم كانوا يفدون على عمر وعثمان فقد وجب التداخل بينهم . وهكذا صحت الآثار بنقل التابعين من سائر الأمصار عن أهل المدينة ، وبنقل التابعين من أهل المدينة ومن بعدهم عن أهل الأمصار فقد صحب علقمة ومسروق وعمر وعثمان وعاشية أم المؤمنين ، واختصوا بهم وأكثروا الأخذ عنهم . وكذلك صحب عطاء عائشة أم المؤمنين وصحب الشعبي وابن سيرين بن عمر ، وصحب قتادة بن المسيب ، وأخذ الزهري عن أنس ، وأخذ مالك عن أيوب وحميد المكي ، وأخذ عبيد الله بن عمر ، عن ثابت البناني ، وأخذ عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس . وأخبرني يوسف بن عبد الله النمري قال : نا عبد الوارث بن حسرون ، نا قاسم بن أصبغ ، نا أحمد بن زهير بن حرب ، نا أحمد بن حنبل ، نا عبد الرحمن بن مهدي ، سمعت مالك بن أنس يقول : قال سعيد بن المسيب ، إن كنت لأسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد ، فاستوى الامر في المدينة وغيرها بلا شك . وأيضا فنقول لهم : هل تعمد عمر وعثمان رضي الله عنهما أن يبعثا من يعلم أهل البصرة والكوفة والشام ومصر دينهم وأحكامهم أم أغفلا ذلك وضيعاه ؟