ابن حزم

532

الاحكام

قاله غير عالم لم يكن ذلك إجماعا . قلنا لهم : قد نزلتم درجة وسؤالنا باق لذلك العالم بحسبه ، كما أوردناه سواء بسواء ، فإن قالوا : بل يمكن أن يكون في ذلك خلاف لم يبلغ ذلك العالم ، قلنا : فقد أقررتم بالكذب ، إذ قطعتم بأنه إجماع وجوزتم مع ذلك أن يكون الخلاف فيه موجودا . فإن قالوا : بل يمكن أن يكون في ذلك خلاف قلنا : ومن أين لكم بأن ذلك لعالم أحاط بجميع أقوال أهل الاسلام ؟ ونحن نبدأ لكم بالصحابة رضي الله عنهم فنقول : بالضرورة ندري يقينا لا مرية فيه بأنهم كانوا عشرات ألوف فقد غزا صلى الله عليه وسلم حنينا في اثني عشر ألف إنسان ، وغزا تبوك في أكثر من ذلك ، وحج حجة الوداع في أضعاف ذلك ، ووفد عليه من كل بطن من بطون قبائل العرب وفودا أسلموا وسألوه عن الدين ، وأقرأهم القرآن ، وصلوا معه ، كلهم يقع عليه اسم الصحابة . ولقد تقصينا من روى عنه فتيا في مسألة واحدة فأكثر ، فلم نجدهم إلا مائة وثلاثة وخمسين ، بين رجل وامرأة فقط ، مع شدة طلبنا في ذلك وتهممنا وليس منهم مكثرون إلا سبعة فقط وهم : عمر وابنه عبد الله ، وعلي وابن عباس وابن مسعود وأم المؤمنين عائشة وزيد بن ثابت ، والمتوسطون فهم ثلاثة عشر فقط ، يمكن أن يوجد في فتيا كل واحد منهم جزء صغير . فهؤلاء عشرون فقط ، والباقون مقلون جدا ، فيهم من لم يرو عنه إلا فتيا في مسألة واحدة فقط ، ومنهم في مسألتين وأكثر من ذلك ، يجتمع من فتيا جميعهم جزء واحد ، هو إلى أصغر أقرب من الكبر ، أفترى سائرهم لم يفت ولا مسألة ؟ إلا هذا والله هو الكذب البحت والإفك والبهت ، ثم ما قد نص الله تعالى في قرآنه من أن طوائف من الجن أسلموا . قال : * ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ) * وقال تعالى حاكيا عنهم أنهم قالوا : * ( وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ) * وأنهم قالوا : * ( وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ) * . وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أخبر بأن وفدا من الجن أتوه وأسلموا وبايعوه وعلمهم القرآن ، فصح أن منهم مسلمين صالحين راشدين من خيار