ابن حزم

533

الاحكام

الصحابة ، هذا لا ينكره مسلم ، ومن أنكره كفر وحل دمه ، فيا هؤلاء هبكم جسرتم على دعوى العلم بقول عشرات ألوف من الناس من الصحابة - وإن لم بلغكم عنهم فيما ادعيتم إجماعهم عليه كلمة - أتراكم يمكنكم الجسر على دعوى إجماع أولئك الصحابة من الجن على ما تدعون بظنكم الكاذب الاجماع عليه ؟ لئن أقدمكم على ذلك القاسطون من شياطين الجن فانقدتم لهم لتضاعف فضيحة كذبكم وليلوحن إفككم لكل صغير وكبير ، ولئن ردعكم عن ذلك رادع ليبطل دعواكم الاجماع . وهذا لا مخلص منه ، فإنهم كسائر الصحابة ، مأمورون منهيون ، مؤمنون موعودون متوعدون ، ولا فرق . إن قالوا : إن شرائعهم غير شرائعنا قلنا : كذبتم ، بل شرائعنا وشرائعهم سواء لتصديق الله تعالى لهم في قولهم : * ( وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ) * والاسلام واحدا إلا ما جاء به نص صحيح بأنهم خصوا به ، كما خصوا أيضا طوائف من الناس كقريش بالإمامة ، وبني عبد المطلب بالخمس من الخمس ، ونحو ذلك . ثم انقضى عصر الصحابة رضي الله عنهم ، وأتى عصر التابعين ، فملؤوا الأرض بلاد خراسان وهي مدن عظيمة كثيرة وقرى لا يحصيها إلا خالقها عز وجل ، وكابل ، وفارس ، وأصبهان ، والأهواز ، والجبال وكرمان وسجستان ومكران ، والسودان ، والعراق ، والموصل ، والجزيرة وديار ربيعة وأرمينية وأذربيجان والحجاز واليمن والشام ، ومصر والجزائر وإفريقية وبلاد البربر ، وأرض الأندلس ليس فيها قرية كبيرة إلا وفيها من يفتي ، ولا فيها مدينة إلا وفيها مفتون ، فمن الجاهل القليل الحياء المدعي إحصاء أقوال كل مفتي في جميع هذه البلاد ، مذ أفتوا إلى أن ماتوا ؟ إن كل واحد يعلم ضرورة أنه كذاب آفك ضعيف الدين ، قليل الحياء فبطل دعوى الاجماع كما بطل كل محال مدعي إلا حيث ذكرنا قبل فقط . فإن قالوا : إنما يقول المرء : هذا إجماع عندي فقط ، قلنا : قوله هذا كلا قول لان الاجماع عنده إذا لم يكن إجماعا عند غيره ، فمن الباطل أن يكون الشئ مجمع عليه عند غير مجمع عليه معا . وأيضا فإن قوله : هذا إجماع عندي باطل لأنه منهي عن القطع بظنه ، فمعنى قوله هذا إنما هو أنه يظن إجماع ، وقد