ابن حزم

531

الاحكام

لجهله ما لم تقم عليه الحجة ، وكما ذكرنا قبل ولا فرق فلا إجماع في الاسلام إلا ما جاء هذا المجئ ، ومن ادعى إجماعا فيما عدا ما ذكرنا فهو كاذب آفك مفتر على جميع المسلمين ، قائل عليهم ما لا علم له به . وقد قال تعالى : * ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) * وقال تعالى ذاما لقوم قالوا : * ( إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ) * وقال تعالى : * ( إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم ممن ربهم الهدى ) * وقال تعالى : * ( إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ) * . فصح بنص كلام الله تعالى - الذي لا يعرض عنه مسلم - أن الظن هو غير الحق وإذ هو غير الحق فهو باطل وكذب بلا شك ، إذ لا سبيل إلى قسم ثالث ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : * ( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ) * . قال أبو محمد : فهذا هو الحق الذي لا يحيل عليه من سمعه ، ثم حدث بعد القرن الرابع طائفة قلت مبالاتها بما تطلق به ألسنتها في دين الله تعالى ، ولم تفكر فيما تخبر به عن الله عز وجل ، ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا عن جميع المسلمين ، قصرا لتقليد من لا يغني عنهم من الله شيئا ، من أبي حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله ، الذين قد برئوا إليهم عما هم عليه من التقليد ، فصاروا إذا أعوزهم شغب ينصرون به فاحش خطأهم في خلافهم نص القرآن ، ونص حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم . وبلحوا وبلدوا ونطحت أظفارهم في الصفا الصلد أرسلوها إرسالا فقالوا : هذا إجماع ، فإذا قيل لهم : كيف تقدمون على إضافة الاجماع إلى من لم يروا عنه في ذلك كله ؟ أما تتقون الله ؟ قال أكابرهم : كل ما انتشر في العلماء واشتهر ممن قالته طائفة منهم ، ولم يأت على سائر خلاف له ، فهو إجماع منهم لأنهم أهل الفضل والذين أمر الله تعالى بطاعتهم ، فمن المحال أن يسمعوا ما ينكرونه ولا ينكرونه ، فصح أنهم راضون به ، هذا كل ما موهوا به ما لهم متعلق أصلا بغير هذا ، وهذا تمويه منهم ببراهين ظاهرة لا خفاء بها ، نوردها إن شاء الله عز وجل وبه نستعين . قال أبو محمد : أول ما نسألكم عنه أن نقول لكم ، هذا لا تعلمون فيه خلافا ، أيمكن أن يكون فيه خلاف من صاحب أو تابع أو عالم بعدهم لم يبلغكم أم لا يمكن ذلك البتة ؟ فإن قالوا عند ذلك : إن قال هذا القول عالم كان ذلك إجماعا ، وإن