ابن حزم
501
الاحكام
وقالوا : لو كان الاجماع لا يكون إلا عن نص وتوقيف لكان ذلك النص محفوظا ، لان الله تعالى قال : * ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) * فلما لم يوجد ذلك النص علمنا أن الاجماع ليس على نص . قال أبو محمد : وهذا كلام أوله حق وآخره كذب . ونحن نقول : لا إجماع إلا عن نص ، وذلك النص : إما كلام منه صلى الله عليه وسلم فهو منقول ، ولا بد محفوظ حاضر ، وإما عن فعل منه عليه السلام فهو منقول أيضا كذلك ، وإما إقراره - إذ علمه فأقره ولم ينكره - فهي أيضا حال منقولة محفوظة ، وكل من ادعى إجماعا علمه على غير هذه الوجوه كلفناه تصحيح دعواه ، في أنه إجماع لا سبيل إلى برهان على ذلك أبدا بأكثر من دعواه ، وما كان دعوى بلا برهان فهو باطل ، فإن لجأ إلى ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع ، قلنا له : وهذا تدبير من الكذب والدعوى الأفيكة بلا برهان وتمام هذه المسألة إن شاء الله تعالى في باب بعد هذا - مفرد لبعض قول من قال : إن ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع - ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، فكيف وفيما ذكرنا ههنا من أنها دعوى بلا برهان كفاية . قال أبو محمد : وإذا قد بطل كل ما اعترضوا به ، فلنقل بعون الله تعالى على إيراد البراهين على صحة قولنا ، قال عز وجل : * ( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ) * فأمرنا تعالى أن نتبع ما أنزل ونهانا عن أن نتبع أحدا دونه قطعا ، فبطل بهذا أن يصح قول أحد لا يوافق النص ، وبطل بهذا أن يكون إجماع على غير نص ، لان النص باطل ، والاجماع حق ، والحق لا يوافق الباطل . وقد ذكرنا قوله تعالى : * ( اليوم أكملت لكم دينكم ) * فصح أنه لا يحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم شئ من الدين ، وهذا باطل أن يجمع على شئ من الدين لم يأت به قرآن ولا سنة ، ويصح بضرورة العقل أنه لا يمكن أن يعرف أحد ما كلفه الله تعالى عباده إلا بخبر من عنده عز وجل ، وإلا فالخبر عنه تعالى بأنه أمر بكذا ، ونهي عن كذا كاذب على الله عز وجل إلا أن يخبر بذلك عنه تعالى من يأتيه الوحي من عند ربه فقط . وصح أيضا بضرورة العقل ، أن من أدخل في الدين حكما يقر بأنه لم يأت به وحي من عند الله تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم ، فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله تعالى ، وقد ذم الله تعالى ذلك وأنكره في نص القرآن فقال : * ( شرعوا