ابن حزم
502
الاحكام
لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) * . قال أبو محمد : ومن طريق النظر الضروري الراجع إلى العقل والمشاهدة والحس أننا نسأل من أجاز أن يجمع علماء المسلمين على ما لا نص فيه فيكون حقا لا يسع خلافه ، فنقول له ، وبالله تعالى التوفيق : أفي الممكن عندك أن يجتمع علماء جميع الاسلام في موضع واحد ، حتى لا يشذ عنهم منهم أحد بعد افتراق الصحابة رضي الله عنهم في الأمصار ؟ أم هذا ممتنع غير ممكن البتة ؟ فإن قال : هذا ممكن ، كابر العيان ، لان علماء أهل الاسلام قد افترق الصحابة رضي الله عنهم في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم وهلم جرا لم يجتمعوا مذ أن افترقوا ، فصار بعضهم في اليمن في مدنها ، وبعضهم في عمان ، وبعضهم في البحرين ، وبعض في الطائف وبعض بمكة ، وبعض بنجد . وبعض بجبل طيئ ، وكذلك في سائر جزائر العرب . ثم اتسع الامر بعده عليه السلام ، فصاروا من السند وكابل ، إلى مغارب الأندلس ، وسواحل بلاد البربر ، ومن سواحل اليمن إلى ثغور أرمينية ، فما بين ذلك من البلاد البعيدة واجتماع هؤلاء ممتنع غير ممكن أصلا لكثرتهم وتنائي أقطارهم . فإن قال : ليس اجتماعهم ممكنا ، قلنا : صدقت . وأخبرنا الآن كيف الامر إذا قال بعضهم قولا لا نص فيه ، أتقطع على أنه حق ، وأنت لا تدري أيجمع عليه سائرهم أم لا ؟ أم تقف فيه ؟ فإن قال : أقطع بأنه حق ، قلنا : حكمت بالغيب وبما لا تدري ، وحكمت بالباطل بلا شك ، فإن قال : بل أقف فيه حتى يجمع عليه سائرهم قلنا : فإنما يصح إذ قال به آخر قائل منهم ، فلا بد من نعم فيقال لهم : فلو خالفهم فعلى قولك لا يكون حقا ، فمن قوله نعم فيقال له : فكيف يكون حقا ما يمكن أمس أن يكون باطلا ، وهذا حكم على الله تعالى ، وليس هذا حكم الله وكفى بهذا بيانا . وأيضا فإن اليقين قد صح بأن الناس مختلفون في هممهم ، واختيارهم وآرائهم وطبائعهم الداعية إلى اختيار ما يختارونه ، وينفرون عما سواه ، متباينون في ذلك تباينا شديدا متفاوتا جدا فمنهم رقيق القلب يميل إلى الرفق بالناس ، ومنهم قاسي القلب شديد يميل إلى التشديد على الناس ، ومنهم قوي على العمل مجد إلى العزم والصبر والتفرد ، ومنهم ضعيف الطاقة يميل إلى التخفيف ، ومنهم جانح إلى