ابن حزم
400
الاحكام
ومنهم أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي ، فإنه قال في نوادره : * ( العشقة نبت يخضر ثم يصفر ثم يهيج ومنه سمي العاشق عاشقا ) * أو ما علم هذا الرجل أن كل نبت في الأرض فهذه صفته ، فهلا يسمى العاشق باقلا مشتقا من البقل الذي يخضر ، ثم يصفر ، ثم يهيج ، فإن ركب هذا الطريق اتسع له جدا ، وأخرجه ذلك إلى بعض خرق من أدركناه من أهل الجنون ، وأدخله في باب المضاحك والمطايب والمجون . والذي نعتقد ونقول ونقطع على صحته ، أن الاشتقاق كله باطل حاشا أسماء الفاعلين من أفعالهم فقط ، وأسماء الموصوفين المأخوذة من صفاتهم الجسمانية والنفسانية ، وهذا أيضا لا ندري هل أخذت الأسماء من الصفات ، أو أخذت الصفات من الأسماء ؟ إلا أننا نوقن أن أحدهما أخذ من صاحبه ، مثل ضارب من الضرب ، ومثل آكل من الاكل ، ومثل أبيض من البياض وغضبان من الغضب ، وما أشبه ذلك . وأما سائر الأسماء الواقعة على الأجناس والأنواع كلها ، فلا اشتقاق لها أصلا وليس بعضها قبل بعض ، بل كلها معا ، وقد كنت أجري في هذا مع شيخنا أبي عبده حسان بن مالك رحمه الله ، وكان أذكر من لقينا للغة مع شدة عنايته بها ، وثقته وتحريه في نقلها ، فكان يقول لي : قد قال بهذا الذي تذهب إليه كثير من أهل اللغة قديم وسماه لي ، وشككت الآن في اسمه لبعد العهد وأظن أنه نفطويه . وكيف يسوغ لذي عقل أن يسمي الملائكة جنا ، وهو يسمع قول الله عز وجل * ( لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) * وما علمنا مسلما يقول : إن أحدا من الملائكة يدخل جهنم ، وقد قال تعالى : * ( قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس ) * أفتراه تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يستعيذ من شر الملائكة ؟ هذا ما لا يظنه ذو عقل ، وقد اعترض على بعض من كلمني في هذا المعنى بقوله تعالى : * ( وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ) * وقال : إنهم كانوا يقولون الملائكة بنات الرحمن . قال علي : وهذا ليس بشئ ، لأنه قد روي عن ابن عباس أن قريشا كانت تقول : سروات الجن هم بنات الرحمن ، فإنما عنى تعالى الجن على الحقيقة في هذا