ابن حزم
173
الاحكام
ترك ما أيقن وجوبه بظن لم يصح ، فصح يقينا لا مرية فيه أن حكم حديث ابن عباس في نكاح ميمونة قد نسخ وبطل بلا شك ، ومن ادعى عود المنسوخ وبطلان الناسخ فقد كذب وأفك . ثم حتى لو شككنا هل نسخ هذا النهي بعد وجوبه أو لا ؟ لم يجز لاحد ترك ما أيقن وجوبه بظن ولم يصح ، وحتى ولو صح قول ابن عباس أنه نكحها وهو محرم - دون أن تخبر ميمونة رضوان الله عليها بخلاف ذلك ، بل لو وافقته ميمونة على أنه عليه السلام نكحها وهو محرم - لما وجب بذلك ترك ما قد تيقناه من النهي عن نكاح المحرم الناسخ للإباحة المتقدمة لأمر لا ندري أقبله كان أم بعده ، وترك اليقين للشك وتغليب الظن على الحقيقة باطل وحرام لا يحل وهذا ما لا يخيل على ذي لب ، وبالله تعالى التوفيق . وأيضا فحتى لو صح أن نكاحه عليه السلام ميمونة رضي الله عنها كان حرما وأنه كان بعد نهيه عن نكاح المحرم - لما كان ذلك مبيحا لانكاح المحرم غيره ، ولا لخطبته على نفسه ، وعلى غيره ، ولكان نكاح المحرم حينئذ منسوخا مستثنى من النهي الوارد عن نكاحه وإنكاحه وخطبته ، ولكان باقي الحديث واجبا لازما لا يحل مخالفته ، وهذه كلها وجوه لائحة واضحة ، والحمد لله رب العالمين . وقالوا : نرجح أحد الخبرين ، بأن يكون أحدهما اختلف على راويه فيه ، والآخر لم يختلفوا على راويه فيه ، ومثلوا ذلك بحديث ابن عمر ، فإن زادت الإبل على عشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون ، وبحديث علي فإن زادت الإبل على عشرين ومائة واحدة ، ففي كل أربعين بنت لبون وفي خمسين حقة . قال علي : وهذا بين ليس من أجل الاختلاف - فقد أبطلنا ذلك في الفصل الذي قبل هذا - ولكن لان حديث ابن عمر هو الزائد حكما على حديث علي رضي الله عنهما . وقالوا أيضا : نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما قد قيل فيه إنه من كلام الراوي ، ولم يقل ذلك في الآخر ، فأخذ بالذي لم يقل ذلك فيه ، ومثلوا بحديث عتق الشقص الذي أحدهما من طريق ابن عمر دون أن يكون فيه ذكر الاستسعاء . والآخر من طريق أبي هريرة وفيه ذكر الاستسعاء . قالوا وقد قيل : إن