ابن حزم
254
الاحكام
ودعواه الكاذبة ، ثم يغني دهره في الاكثار من تبليغ آراء مالك وابن القاسم وسحنون وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ، والتلقي بالقبول لجميعها على غلبة الفساد عليها ، ألا إن ذلك هو الضلال البعيد . والفتيا بالآراء المتناقضة وبالله تعالى نعتصم . قال علي : وأما من ظن أن أحدا بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينسخ حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، ويحدث شريعة لم تكن في حياته عليه السلام ، فقد كفر وأشرك وحل دمه وماله ولحق بعبدة الأوثان ، لتكذيبه قول الله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا وقال تعالى ( ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) * فمن ادعى أن شيئا مما كان في عصره عليه السلام على حكم ، ثم بدل بعد موته فقد ابتغى غير الاسلام دينا ، لان تلك العبادات والاحكام والمحرمات والمباحات والواجبات التي كانت على عهده عليه السلام هي الاسلام الذي رضيه الله تعالى لنا ، وليس الاسلام شيئا غيرها فمن ترك شيئا منها فقد ترك الاسلام ، ومن أحدث شيئا غيرها فقد أحدث غير الاسلام ، ولا مرية في شئ أخبرنا الله تعالى به أنه قد أكمله ، وكل حديث أو آية كانا بعد نزول هذه الآية فإنما هي تفسير لما نزل قبلها ، وبيان لجملتها ، وتأكيد لأمر متقدم . وبالله تعالى التوفيق ومن ادعى في شئ من القرآن أو الحديث الصحيح أنه منسوخ ولم يأت على ذلك ببرهان ، ولا أتى بالناسخ الذي ادعى من نص آخر فهو كاذب مفتر على الله عز وجل داع إلى رفض شريعة قد تيقنت ، فهو داعية من دعاة إبليس ، وصاد عن سبيل الله عز وجل ، نعوذ بالله ، قال الله تعالى : * ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) * فمن ادعى أن الناسخ لم يبلغ ، وأنه قد سقط فقد كذب ربه ، وادعى أن هنالك ذكرا لم يحفظه الله بعد إذ أنزله . فإن قال قائل : الحديث قد يدخله السهو الغلط ، قيل له : إن كنت ممن يقول بخبر الواحد ، فاترك كل ما أخذت به منه ، فإنه في قولك محتمل أن يكون دخل فيه السهو الغلط ، وإن كنت مقلدا ، فاترك كل من قلدت فإن السهو والغلط قد