محمد طاهر الكردي
92
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
مسجد كبير وجامع متّسع ، فالمقام الحنفي ، أول ما اتخذ ، كان بمثابة المكبرية للتبليغ ، والدليل على ذلك صورته ، التي هي عليه اليوم ، رغم تجدد التعميرات فيه ، بخلاف بقية المقامات ، وأيضا ، لا يزال يرقى عليه المكبرون ، الذين يبلغون الناس حركات الإمام ، وموقعه في طرف حاشية المطاف ، مقابل لميزاب الكعبة ، ولم يكن ، في ابتداء الأمر ، ينسب للحنفي ، بل كان يطلق عليه لفظ « المقام » فقط أي مكان إقامة الصلوات ، أو مقام مبلغ حركات الإمام ، ولما كان المقام ، بطبيعة الحال ، مسقوفا ، كان إمام المسجد الحرام يصلّي تحته ، ولا يبعد أنه كان حنفي المذهب ، فنسب المقام إليه ، فأطلقوا عليه « المقام الحنفي » فرقا بينه وبين مقام إبراهيم الخليل ، عليه الصلاة والسلام ، ثم بمرور الأيام وتوالي السنين ، والتشيع للمذاهب ، أحدثوا أربعة أمكنة حول حاشية المطاف : لكل مذهب من المذاهب الأربعة مكان خاص ، وأطلقوا عليها اسم المقامات الأربعة ، لكن ليس بينها ما يأخذ صفة المكبرية إلا المقام الحنفي . ولما كان هذا المقام له أهمية كبرى في تبليغ الناس حركات الإمام إلى عصرنا هذا ، فقد اهتم السلاطين والملوك بتعميره وزخرفته وحسن بنائه ، وبالأخص سلاطين آل عثمان ، الذين كانوا على مذهب الإمام أبي حنيفة ، رحمه اللّه تعالى . جاء في تاريخ القطبي المسمى « الإعلام بأعلام بيت اللّه الحرام » عن تجديد بناء المقام الحنفي ، بواسطة الأمير مصلح الدين بك ، الذي أرسله السلطان سليم خان ، إلى مكة ، بالصدقات والهبات ، لأهل الحرمين ، وذلك في شهر القعدة سنة ( 923 ) تسعمائة وثلاث وعشرين هجرية ؛ ما نصّه : ومما جدّده الأمير مصلح الدين المذكور بناء مقام الحنفية ، فإنه كان مسقفا على أربعة أعمدة ، في صدره محراب عمل سنة ( 801 ) أحد وثمانمائة ، فأراد أن يوسّعه ويجعله قبة ، فأمر بعقد مجلس حضر فيه القضاة الأربعة والأئمة والعلماء والأعيان ، وقال لهم : إن الإمام الأعظم أبا حنيفة ، روّح اللّه تعالى روحه الشريف بروائح الروح والريحان والرحمة والرأفة والرضوان ، جدير بأن يكون له في هذا المسجد الحرام مقام يجتمع فيه أهل مذهبه ومقلّدوه ، يكون أوسع من هذا المقام . فقال بعض العلماء : إنه لا شك في عظم كل واحد من الأئمة ، رضوان اللّه عليهم أجمعين ، غير أن تعدّد المقامات في مسجد واحد ، لاستقلال كل مذهب بإمام ، ما أجازه كثير من العلماء ، وإن تعدّد هذه المقامات ، في وقت حدوثه ، أنكره العلماء