محمد طاهر الكردي
83
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
وبناء هذا المسجد على قمة جبل أبي قبيس قديم جدا ، يرجع إلى القرن الأول في الإسلام ، لأن الإمام الأزرقي المولود في القرن الثاني للهجرة قد ذكر هذا المسجد في تاريخه ، فقد قال عنه ما نصّه : ومسجد على جبل أبي قبيس ، يقال له مسجد إبراهيم ، سمعت يوسف بن محمد بن إبراهيم ، يسأل عنه : هل هو مسجد إبراهيم خليل الرحمن ، فرأيته ينكر ذلك ويقول : إنما قيل هذا حديثا من الدهر ، لم أسمع أحدا من أهل العلم يثبته . قال أبو الوليد ( أي الأزرقي يعني نفسه ) : وسألت أنا جدي عنه ، فقال لي : متى بني هذا المسجد إنما بني حديثا من الدهر ، ولقد سمعت بعض أهل العلم ، من أهل مكة ، يسأل عنه : أهذا المسجد مسجد إبراهيم خليل الرحمن ، فينكر ذلك ، ويقول : بل هو مسجد إبراهيم القبيسي ، لإنسان كان في جبل أبي قبيس . فقلت لجدي : فإني سمعت بعض الناس يقول : إن إبراهيم خليل الرحمن حين أمر بالأذان في الناس بالحج ، صعد على جبل أبي قبيس فأذّن فوقه ، فأنكر ذلك ، وقال : لا ، لعمري ما بين أصحابنا اختلاف . إن إبراهيم خليل الرحمن حين أمر بالأذان في الناس بالحج قام على مقام إبراهيم ، فارتفع به المقام حتى صار أطول من الجبال وأشرف على ما تحته فقال : أيها الناس أجيبوا ربكم . قال : وقد كنت ذكرت ذلك عند موضع ذكر المقام مفسرا . انتهى من تاريخ الأزرقي . فعلم مما تقدم أن المسجد ، الذي بأعلى جبل أبي قبيس ، مسجد قديم ، بني في القرن الأول للهجرة ، لأن الإمام الأزرقي المولود في القرن الثاني قد سأل جده عن هذا المسجد ، فأجابه بما تقدم ، فإذا فرضنا أن الإمام الأزرقي ولد في سنة ( 160 ) من الهجرة ، وأن أباه ولد في سنة ( 130 ) وأن جده الذي أخبره عن هذا المسجد ، ولد في آخر المائة الأولى ، فإنه مما لا شك فيه أن بناية المسجد تكون في النصف الثاني من القرن الأول ، لكن لا نعلم في أي سنة بني بالضبط ولا نعلم اسم الشخص الذي بناه . ولقد ذكر هذا المسجد ابن جبير الأندلسي في رحلته التي كانت سنة ( 578 ) ثمان وسبعين وخمسمائة من الهجرة ، فقد قال عنه : « وفي أعلى جبل أبي قبيس رباط مبارك فيه مسجد وعليه سطح مشرف على البلد الطيبة ومنه يظهر حسنها