محمد طاهر الكردي

489

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

أيضا القلقشندي ، رحمه اللّه تعالى فيه صورة أخرى لتقليد إمرة مكة المكرمة لأحد الأشراف ، كما ذكر صورة وصية ملكية لأحد أمراء مكة ، وصورة لتقليد قضاء مكة المشرفة لأحد العلماء . وذكر أيضا مثل ذلك لتقليد إمارة المدينة المنورة وقضائها ، وأن الإنسان ليأخذ العجب من هذا الإنشاء اللطيف والكلام البليغ ، ولولا الخوف من إطالة البحث لنقلنا كل ذلك هنا . فسبحان مغير الأحوال ، ففرق كبير في المراسيم الملكية في الأزمان السابقة والمراسيم الملكية في زماننا هذا . الاحتفال بتلاوة الأمر السلطاني بتقليد إمارة مكة حيث ذكرنا ، فيما تقدم ، صورة الأمر السلطاني لإسناد إمارة مكة لأحد أشرافها ، نذكر الآن كيفية الاحتفال بتلاوة هذا الأمر الكريم ، الذي كانوا يسمونه « الفرمان » ، وهي كلمة تركية معناها « المرسوم الملكي » . وقد ذكر كيفية الاحتفال به الأستاذ البتنوني في كتابة « الرحلة الحجازية » وهي كما يأتي : ما بزعت شمس يوم الجمعة 11 ذي الحجة سنة ( 1327 ) سبع وعشرين وثلاثمائة وألف بمنى ، حتى التفت الجنود التركية والمصرية حول المصطبة الكبرى ، التي كانت عليها سرادقات سمو خديوينا المعظم ( أي عباس باشا حلمي الثاني ) خديوي مصر ، ودولة الشريف ( أي الشريف حسين بن علي ) وسعادة وكيل الولاية ، يتقدم كل فرقة موسيقية ، استعدادا للتشريفات بحفلة تلاومة فرمان دولة الشريف . وفي الساعة الثانية العربية نهارا ، اصطفت رجال المعية السنية ، في الجهة اليمنى من الصيوان الكبير ، المعد للجناب العالي الخديوي ، وكان دولة الشريف أرسل بعض حاشيته ، لمقابلة الوفد الحامل للفرمان والخلعة السنية ، ثم سار إلى صيوان الجناب العالي ، وجلسا يتجاذبان أطراف الحديث ، حتى إذا وصل الوفد إلى سلم المصطبة ، خفّ الجناب العالي ومعه مولانا الشريف نحو السلم ، واستقبلا الفرمان بتقبيله ، ثم قصد الكل الصيوان الخديوي وجنابه العالي في مقدمتهم . ولا يخفاك ما في هذا الترتيب من المعنى الدقيق اللطيف ، الذي يشير إلى علو مكانة جنابه الرفيع ، وأن مقامه هنا هو المقام الأول ، ومنزله هو المنزل فجلس ، حفظه اللّه ، في صدر المكان ، وعن يساره دولة الشريف ، ثم نائب الوالي ، ثم أنجال الشريف ، ثم علية الأشراف ، ومن خلفهم مشايخ القبائل العربية ، وصاحبا