محمد طاهر الكردي

471

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

الأمير أو لتقديم التهاني والتعازي ، أو للتوديع والاقتبال ، وأن الأمير لو تداخل لفائدة محسوبة ابن زرياب لكان ذلك داعيا لمراجعة وثيقة العهد ، والوقوف عند منطوقها وإذا ما أصر رغم ذلك على التداخل فإن القاضي يضطر لتقديم استقالته مع الإصرار على عدم الرجوع في ذلك . جلس ابن اللباد وابن البنا وابن زرياب بعد الفراغ من الصلاة بتحدثون عن رئيسهم عيسى بن مسكين بمناسبة عزمه على الاستعفاء من مهام القضاء فقال ابن البنا : إن أمر هذا الرجل غريب . فهو لم يأخذ درهما من بيت المال ولا من خزينة الأمير ، منذ أن تقلد القضاء ، ولا يعيش إلا من دقيق الشعير الذي يأتيه من منزله بالساحل يخبزه بنفسه ، ومن بقل وخضر تأتيه من البادية وربما بقي اليومين والثلاث بلا طعام في انتظار دقيقه وبقوله . وإني أعرفه وقد أقام برقادة تسع سنين لم يأكل التين إلا مرة واحدة ، ولم يأكل البطيخ إلا مرة أخرى ، وإني ذهبت لمنزله فلم أجد فيه من المدخرات سوى آنية زيت وآنية خل . ورأيت في كوة البيت قارورة مختومة من نوع القوارير المستعملة في البلاط الأغلبي فسألته عنها وتجاهل السؤال ، ثم ألححت عليه فأجابني بأنه كان في مجلس الأمير إبراهيم وأصابته رياح في جوفه ، وأدرك الأمير ألمه فأعطاه تلك القارورة وفيها الدواء الشافي ، ولكنه فزع إلى اللّه أن يغنيه عن استعمالها فلم تعاوده الرياح ولا الألم . ومن هذا الزهد استمد ابن مسكين قوته واستحق احترام الأمير ورجال الدولة وقوادها . وتساءل ابن زرياب عن سبب استعفائه ، وهو لا يخشى مضايقة ولا يشكو حرجا ، فقال ابن اللباد : إن عيسى يريد أن يتفرغ للعبادة والعلم ، وقد كبر سنه وحن إلى مسقط رأسه ليستأنف حياته تحت زيتونته المباركة ، وفي ظلها الوارف ، منصرفا للصلاة وتلاوة القرآن وقراءة الحديث ، كما كان شأنه قبل أن يكرهه الأمير على قبول القضاء ويستقدمه إلى القيروان . وقال ابن زرياب : كأني أنظر إليه يوم أن استقدمه الأمير إلى القيروان جلس بجانب حمديس الأشعري ، وسأله الأمير قائلا : ما رأي الشيخ في رجل جمع خلال الخير وأراد الأمير أن يوليه القضاء ويلم به شعث الأمة فامتنع من القبول ؟ وقال عيسى : يلزمه أن يلبي . وقال الأمير : فإن أصر على الامتناع ؟