محمد طاهر الكردي

472

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

وأجاب عيسى : يجبر على ذلك : وإذا اشتد في الامتناع يجلد حتى يقبل . وقال الأمير ضاحكا : قم يا عيسى فأنت هو . وكأني أنظر إلى الأمير وقد قرب سيفه من نحر عيسى لحمله على القبول ، وابتعد حمديس الأشعري لكي لا يصيبه دم الشيخ . ولعل من المناسب أن نعلق على محادثة أعضاد ابن مسكين ، بما رواه عونه ابن دبوس ، قال : جئته يوم جمعة لإيناسه حيث يتفرغ ذلك اليوم من مهام القضاء ، فقرعت عليه الباب ففتح منه مصراعا ، ووقفت فإذا هو مؤتزر بكسائه يغسل جبته ، فقال لي : يا أخي ، ما جاء بك ؟ قلت : أردت إيناسك ، وأراك مشغولا ، فاتركني أستقي لك الماء وتغسل أنت أو تستقي وأغسل أنا . فقال : يا أخي ، أقعدت بلا شغل . ورد الباب ، ورجع إلى عمله وانصرفت . فهل أدركنا مصدر قوة مواطننا ابن مسكين ، وصلابته في الحق والواجب . . . ، ونحن القضاة المساكين ليت لنا الشيء القليل من نفسية وخلال ابن مسكين . انتهى من الكتاب المذكور . سيرة القاضي أحمد بن القاضي أبي محرز وجاء في الكتاب المذكور ما يأتي : ولما توفي أبو محرز الكتاني الذي استقل بقضاء الجماعة ، بعد وفاة زميله أسد بن الفرات ، كبر على الأمير زيادة اللّه بن الأغلب أن يختار خلفه وأن يجد الرجل الذي يسد فراغ القاضيين أي محرز الكناني وأبي عبد اللّه أسد بن الفرات ، لذلك التجأ إلى استشارة شيوخ العلم وقادة الرأي ، وعقد لذلك مؤتمرا ساميا دعا إليه الكثير من هؤلاء وأولئك ، وعرض عليهم الأمر فوقعوا في الحيرة التي وقع فيها الأمير نفسه ، وأصروا على عدم تعيين من يتولى قضاء المملكة ، أو تقديم التوصيات التي تسمح بتعيينه ، وتحرج الأمير من موقف المؤتمرين ، وأمر بأنه لا يسمح لأحد منهم بالانصراف إلا إذا تم اختيار القاضي ، ورغم هذا الملكي الحازم فقد أصر المؤتمرون على مواقفهم . وانسحب الأمير إلى مجلسه الخاص . وبقي المؤتمرون في أماكنهم ودخل وقت الصلاة وأجمع الحاضرون على تقديم العلامة أحمد بن القاضي أبي محرز للصلاة بهم وكان الأمير ينتظر ذلك وعندما علم من حراسه وحجابه بإمامة أحمد بن أبي محرز دخل على القوم وخطب فيهم قائلا :