محمد طاهر الكردي
470
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
الشيخ أبا سعيد ، ليعتذر له عن تأخير البت في قضيته فوجده انصرف متبوعا بأبنائه وشهوده كما انصرف خصومه . بعد انتظار طويل حضر ابن زرياب وكان مرتديا أفخر ثيابه ويسبقه عبق ماء الورد والياسمين وحالا دعاه القاضي واستجوبه عن سبب تأخيره إلى ذلك الحين فاعتذر بأنه ذهب ليشهد عقد نكاح عند أبي القاسم محمد بن عبدوس نظرا لما تربطه به من علائق متينة وصداقة متينة . وأجاب ابن زرياب مؤكدا أن حضور عقد النكاح هو السبب الوحيد الذي قضى عليه بالتخلف . وقف زملاء ابن زرياب القضاة يتابعون المناقشة الدائرة بينه وبين القاضي ابن مسكين وتم الإعذار للمتخلف فاقتصر على الاعتذار بحق ابن عبدوس عليه ، واضطراره إلى إجابة دعوته والحضور بمنزله . وارتفع بعد ذلك صوت القاضي مقررا أن ابن زرياب في إجارة المسلمين وأنه عطل ما استؤجر عليه ، واشتغل بحضور عقود الأنكحة ، وهو بذلك قد أخل بالأمانة التي في عنقه واستحق السجن التأديبي ، ثم أمر باقتياده إلى السجن ونفذ الأعوان أمر القاضي وأودعوا ابن زرياب السجن . وبعد صلاة العصر حضر حارس السجن يحمل رسالة إلى القاضي استغفر فيها ابن زرياب من ذنبه وأعطى عهدا بأن لا يتخلف عن واجبه مهما كانت الدواعي وتقدم الشيخان ابن البنا وابن اللباد يطلبان الصفح عن زميلهما ، والاكتفاء بما ناله من تأديب وأمر القاضي بأن يفرج عنه بعد صلاة العشاء . ومن ذلك اليوم إلى أن استعفى ابن مسكين من خطة القضاء لم يتخلف واحد من رجال الدواوين القضائية عن عمله إلا بعذر قاهر . قال ابن اللباد لرئيسه عيسى بن مسكين : إنه كان يخشى أن يتداخل إبراهيم بن الأغلب في صالح بن زرياب نظرا لما لهذا الأخير من الحظوة في البلاط الأغلبي وضحك عيسى ورد عليه بأنه لم يقبل القضاء إلا بعد أن قدم للأمير شروطا قبلها وحرر بشأنها عهد كتابي وهذه الشروط تتضمن أن للقاضي حق تقديم استقالته مرة في كل شهر ، وأنه يحمل الأمير وبني عمه وجنده وبطانته وفقراء المسلمين في الحق في درجة واحدة وأنه يكوم معفى من الدعوات الخاصة للحضور بمجلس