محمد طاهر الكردي
45
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
بالمبادرة إلى بناء المسجد الحرام جميعه ، على وجه الإتقان والإحكام ، وأن يجعل عوض السقف الشريف قببا دائرة بأروقة المسجد الحرام ، ليأمن من التآكل ، فإن خشب السقف كان متآكلا من جانب طرفيه بطول العمد ، وكان يحتاج بعض السقف إلى تبديل خشبة بخشبة أخرى من كل قليل ، إذ لا بقاء للخشب زمانا طويلا ، مع تكسر بعضه . وكان له - أي للمسجد - سقفان بين كل سقف نحو ذراعين بذراع العمل ، وصار ما بين السقفين مأوى للحيات والطيور ، فكان من أحسن الرأي تبديلها بالقبب ، لتمكنها ودفع مواد الضرر عنها ، ووصلت أحكام شريفة سلطانية إلى بكلربكي مصر يومئذ " الوزير المعظم والمشير المفخّم حضرة سنان باشا " ، أدام اللّه تعالى سعادته وإقباله ، وضاعف عظمته وإجلاله ، أن يعيّن لهذه الخدمة من أمراء السناجق المستحفظين بمصر ، من يخرج من عهدة هذه الخدمة الشريفة ، ويكون في غاية الديانة والأمانة والمعرفة والخير والصلاح . فأمر البكلربكي يومئذ وهو سنان باشا أمراء مصر أن يقبلوا هذه الخدمة ، فما أقدم أحد على تلقيها بالقبول ، لكثرة مشقّتها واشتغالهم بأمور دنياهم ، والتوغّل فيما يعود عليهم نفعه عاجلا من غير مشقة . نقول : إن الكلمة المتقدمة " بكلربكي " هي كلمة تركية تدل على حسب اصطلاح زماننا على " رئيس البكوات " وهو حاكم مصر من قبل الدولة التركية كما هو ظاهر من كلامه ، و " البيك " بكسر الباء و " الباشا " من ألقاب الحكومة التركية تعطى للكبراء والممتازين من رجالها ، ثم بطل استعمال هذه الألقاب لديهم منذ أن صارت تركيا جمهورية ، وكذلك الحال في الحكومة المصرية فقد كانت هذه الألقاب مستعملة لديها إلى أن قاموا بثورتهم المعروفة في سنة ( 1371 ) هجرية . ثم قال القطبي : وكان من جملة الأمراء المحافظين بمصر كتخداي المرحوم إسكندر باشا الجركسي بكلربكي مصر سابقا ، أفخر الأمراء العظماء والكبراء ذوي الاحترام " أحمد بك " بارك اللّه فيه وفي ذويه ، وأناله من خيري الدنيا والآخرة ما يرتجيه ، وكان ممن اجتمع فيه هذه الخصال المحمودة المطلوبة ، من حب الخير والتوجه إلى اللّه تعالى وقلّة الميل إلى الدنيا وزخارفها ، والميل إلى الفقراء والضعفاء