محمد طاهر الكردي
46
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
والعلماء ، والتواضع مع الناس وحب المعدلة والاستقامة ، مع صدق الخدمة وكمال الديانة ، والأمانة والإقدام ، وعلو الهمة ووفور الاهتمام . فطلب منه حضرة الوزير المشار إليه هذه الخدمة الشريفة ، وأضيف إليه عمل بقية دبل عين عرفات ، من الأبطح إلى آخر المسفلة بمكة المشرفة . فإن السلطنة الشريفة أمرت أن يبنى لها دبل مستقل ولا تجري في دبل عين حنين ، فعينت هذه الخدمة أيضا للأمير أحمد المذكور ، وعرض له ذلك إلى الباب الشريف العالي ، فوردت الأحكام السلطانية الشريفة له بذلك ، حسب ما عرض له ، وأضيف إلى الخدمة سنجق جدة المعمورة تعظيما لشأنه وتوفيرا لقدره ومكانه . وبعد ورود الأحكام الشريفة السلطانية إليه ، أخذ في أهبة السفر وتوجّه من مصر ، عن طريق البحر ، إلى بندر جدة ، ثم وصل إلى مكة ، شرفها اللّه تعالى ، في أواخر سنة تسع وسبعين وتسعمائة ، مهتما غاية الاهتمام ، سائلا من اللّه تعالى الإعانة والإمداد التام ، وكانت الأوامر الشريفة السلطانية ، والمتكلم عليه ، من جانب السلطانية المنيفة الخاقانية ، هو سيدنا ومولانا ناظر المسجد الحرام ومدرّس مدرسة أعظم سلاطين الأنام ، بدر الملّة والدين ، حسين الحسيني ، خلّد اللّه سعادته ، ففرح بهذه الخدمة الشريفة الفرح التام ، وشدّ مناطق حزمه ، على مناطق عزمه ، وقام له في ذلك أحسن قيام ، وحصل بين مولانا الناظر والأمير أحمد المشار إليه كمال الملاءمة والاتفاق ، وبذلك يحصل تمام النجاح والاتفاق ، وجرت عادة اللّه أن الخير كله في الوفاق ، والشر جميعه في الشقاق ، ولم يكن الرفق في شيء إلا زانه ، ولم يكن العنف في أمر إلا شانه ، ومن أراد الرفق بعباد اللّه وفّق اللّه تعالى به وأعانه . ووصل لهذه العمارة الشريفة معمار دقيق الأنظار ، جليل الآثار ، تقدّم له مباشرة الأبنية العظيمة ، وحصلت له بالتجربة خبرة تامة ومعرفة مستقيمة ، أجمع المهندسون على تقدمه في هذه الصناعة ، ودقّة نظره في لوازم هذه البضاعة ، اسمه المعمار محمد جاويش الديوان العالي ، وهو إنسان من أهل الخير ، عظيم الأمانة ، كثير الديانة ، مستقيم الرأي ، منوّر الباطن ، مشكور السيرة ، زاد اللّه توفيقه وأرشد طريقه . فاتفق الناظر والأمير والمعمار على الشروع في هدم ما يجب هدمه ، إلى أن يوصل إلى الأساس ، فشرع أولا في إكمال الدبل المستقل ، لإجراء عين عرفات ،