محمد طاهر الكردي
439
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
كما إني أرجو أن يلغى بالنظر إلى وظيفة الإفتاء ، تقييد الموظف فيها بسن مخصوص ، فإن من شرط المفتي إن لم يكن مجتهدا أن يكون قادرا على استنباط الأحكام في الحوادث المتجددة ، من أصول الشريعة وأدلتها الأربعة ، وكلما كان الموظف فيها أكبر سنا وأغزر علما وأوسع اطلاعا كان أوفر عقلا وأكثر وقارا وحلما . وإني مع ثقتي بنظر المجلس الموقر لهذا الأمر الخطير بما يليق به من كامل العناية أقدم لعزتكم وافر شكري واحترامي وفقنا اللّه لما فيه السداد والرشاد إنه هو الرؤوف بالعباد . القضاء في عهد الخلفاء الراشدين قال الخضري رحمه اللّه تعالى في محاضراته « تاريخ الأمم الإسلامية » عن القضاء ، في عهد الخلفاء الراشدين ما يأتي : كان القضاء معتبرا من عمل الخليفة ؛ لأن معناه فصل الخصومات والمنازعات ، على حسب القانون الشرعي المأخوذ من الكتاب والسنة ، فكان الخلفاء يباشرون هذا العمل بأنفسهم ، ويستفتون في الحكم ، إن كانت هناك حاجة إلى الاستفتاء ، ولما كثرت المشاغل واتسعت الفتوح واضطر الخلفاء للاشتغال بالجيوش وتدبيرها ، فوّضوا هذا العمل إلى من في مكنتهم الاستنباط ولكنهم لم يتسموا باسم القضاء إلا من عهد عمر بن الخطاب فإنه بعث قضاة إلى الأمصار ، ووضعه لهم أنموذجا يسيرون عليه ، واستمر الحال على ذلك إلى آخر عهد الخلفاء الراشدين . ومن أعظم ما كان لأولئك القضاة من الفخر شرفهم واستقلالهم في الحكم ، فلم يعرف عن أحد منهم ، في ذلك العصر ميل إلى الدنيا واغترار بزخرفها يعدل بهم عن قول الحق والحكم به ، وكان سواء في نظرهم الشريف والوضيع والخليفة والرعية ، ولم يكن لأمراء الأمصار سلطان عليهم في قضائهم ، فكان تعيينهم من الخليفة رأسا ، وأحيانا يكتب الخليفة إلى الأمير أن يولي فلانا قضاء بلده ، وعلى الحالتين التعيين صادر من الخليفة ، وكان للقضاة رزق من بيت المال لما يلزمهم من الانقطاع لهذا العمل وترك ما يرتزقون منه . ومن أحسن ما رأينا في أمر القضاة ما كتبه علي بن أبي طالب إلى أحد عماله : « ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ، ممن لا تضيق به