محمد طاهر الكردي
440
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
الأمور ولا تمحكه الخصوم ولا يتمادى في الزلة ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه ، ولا يشرف نفسه على طمع ولا يكتفي بأدنى فهم إلى أقصاه أوقفهم في الشبهات وآخذهم بالحجج ، وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم ، وأخبرهم على تكشف الأمور وأصرمهم عند اتضاح الحكم ، ممن لا يزدهيه إطراء ، ولا يستميله إغراء ، وأولئك قليل ، ثم أكثر تعاهد قضائه ، وأفسح له في البذل ما يزيل عليه ، وتقل معه حاجته إلى الناس وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك » . وكان في كل مصر جماعة اشتهروا بالفقه واستنباط الأحكام كان يستعين بهم القاضي ويستفتيهم إذا أشكل عليه أمر ، وأهم ما كان يدعوهم إلى ذلك أن سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم تكن مجموعة في كتاب ، بل كانت في صدور الناس يحفظ منها أحدهم جزءا والثاني جزءا ، وقد لا يحفظ أحدهم ما يحفظه الآخر ، فربما عرضت للقاضي مسألة فلا يرى فيها نصا ويكون النص وهو الحديث عنده غيره ، وبذلك كانوا يسألون هل عندكم شيء في هذا من سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يجمعوا هذه الفتاوى ولا الأقضية في كتاب خاص يرجع إليه من بعدهم وكان ما ذكرناه من أمر السنة سببا كبيرا من أسباب اختلافهم في الفتاوى والأقضية . لم يكن القاضي في أحكامه موكولا إلى الاجتهاد الصرف ، كما يظن بعض الباحثين ، ويجعل ذلك من عيوب القضاء ، وإنما كان موكولا إلى الاجتهاد في فهم القانون الشرعي وتطبيقه على الحوادث والواقعات ، حقيقة أن ذلك القانون لم يعتن بالتفصيل التام بل اهتم بالقواعد الكلية ، وليس هذا عيبا في القوانين التي يراد منها الابقاء بل هو مما يحسنها ويجعلها صالحة لكل زمان ومكان . الاجتهاد للقاضي ، والحال ما ذكرنا أمر لا بد منه ، ولذلك أعده المتقدمون من الشروط المتحتمة . لم يكن تعيين القضاء مانعا الخلفاء من نظر أي خصومة تعرض عليهم ، وقد حصل ذلك من الخلفاء ، في آنات كثيرة ، فكأن القضاة كانوا نوابا للخلفاء . وليس عندنا دليل على وجود سجلات يضبط فيها ما يصدر من الأحكام ولا أن صور الأحكام كانت تعطى للمحكوم له ، لأن ذلك لم يكن ما يدعو إليه ما دام التنفيذ في يد القاضي فهو الذي يقضي وهو الذي ينفذ الحكم ، ويظهر لنا مما